الثناء واجب لمن يستحقه: مذيعة CNN تتصدى لادعاءات كاذبة أطلقها المسؤول الفلسطيني عريقات لدى مقابلته

إن أحد الشخصيات الفلسطينية الأكثر خبرةً وظهورًا في ميدان الإعلام منذ عقود هو د. صائب عريقات كبير المفاوضين الفلسطينيين عن منظمة التحرير الفلسطينية والسلطة الفلسطينية منذ فترة بعيدة. ويُحسب لعريقات، فلسطينيًا، فصاحة لسانه وإجادته اللغة الإنجليزية (إلى جانب العربية طبعًا)، الأمر الذي جعله يحتلّ مكانة مرموقة في الإعلام العربي والغربي على حد سواء.

غير أن مصداقية عريقات شيء مختلف حيث يمكن لأي حريص على متابعة الإعلام رصد حالات انزلاق عريقات في تصريحاته وبياناته الإعلامية المتكررة إلى الادعاءات غير الدقيقة، ناهيك عن المزاعم والأكاذيب المكشوفة. فالمشكلة، كما نرصدها ليست في عريقات (رغم ضرورة تحميله بالطبع المسؤولية المباشرة عما يتفوّه به) بل، في كثير من الأحيان، في صمت الإعلاميين إزاء كلامه البعيد عن الصدق والموضوعية، على أن يطال الأمر ليس وسائل الإعلام العربية (المتحيزة بغالبيتها العظمى للموقف الفلسطيني تحت أي ظرف) فحسب بل أيضًا نظيراتها الغربية، محور اهتمام فريق (كاميرا)، على اعتبار أن الإعلام الغربي مطالَب بالوفاء بالتزاماته المهنية الصحفية.

لم تأتِ هذه المقدمة القصيرة إلا لتأكيد دأب (كاميرا) على متابعة أداء الإعلام الغربي بشكل موضوعي، ما يعني أن الانتقاد واجب ويمثل بطبيعة الحال نصيب الأسد من عملنا، لكن أمانة رسالتنا تحتّم علينا في بعض الأحيان تقديم الإطراء والثناء لمن يستحقه، وهذا هو موضوع هذا المنشور.

إذ أجرت قناة CNN الأميركية (في نسختها الإنجليزية) يوم 26 يناير/كانون الثاني 2020 حديثًا مع د. عريقات تمهيدًا لنشر خطة السلام الأميركية الجديدة لإدارة دونالد ترامب المعروفة باسم (صفقة القرن). صحيح أن الموقف الفلسطيني من الخطة لم يكن إلا الرفض القاطع للخطة حتى قبل نشرها، كما يصحّ القول إن القطيعة صارت تسود منذ فترة العلاقات الأميركية الفلسطينية بشكل عام. غير أن عريقات لم يكتفِ بالإشارة إلى هذا الأمر بل لجأ إلى الادعاء زورًا بأن الجانب الأميركي لم يتشاور قط مع الفلسطينيين حول مسار السلام، حيث قال الآتي:

“لم تكن هناك، منذ يوم 9 ديسمبر/كانون الأول 2017 أي اتصالات مع البيت الأبيض أو الخارجية الأميركية. كما ترون فإن الرئيس ترامب مشغول بدعوة نتانياهو وغانتس [رئيس حزب أزرق- أبيض ومنافس نتانياهو على رئاسة الحكومة آنذاك] ليتمكن ثلاثتهم من اتخاذ القرار حول مستقبلي [أي الفلسطينيين].. إن هذه اللعبة لهي الأشد بعدًا عن النزاهة فيما شهدناه على صعيد العلاقات الدولية. هناك من يحاول اتخاذ القرار حول مستقبلي.. حتى من دون أن يكلف نفسه عناء التشاور معي..”

لحسن الحظ لم تتوانى مذيعة CNN بيكي إندرسون التي قابلت عريقات في الإشارة إلى المعلومات الصحيحة التي ناقضت رواية عريقات حتى في مقدمتها للقاء، حيث قالت إن قناتها علمت بأن إدارة ترامب حاولت بالفعل محاورة رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس ووجهت إليه رسالة، عبر طرف ثالث، تدعوه لإجراء اتصال هاتفي مع ترامب.

وعند استماع مذيعة CNN لمزاعم عريقات الآنفة الذكر، فإنها ردت عليه بقول الآتي:

“دعني أطرح عليك هذا يا سيدي، تقول الإدارة الأمريكية إنها تحاول التواصل. هل يجب أن تكون هناك قناة خلفية؟ هل يجب أن يتم إحاطتكم بأنهم يحاولون التحدث إلى الفلسطينيين؟ ألن يكون من الأفضل التفاعل في هذه المرحلة للحصول على مقعد على الطاولة؟”

وعندما شجب عريقات أيضًا في سياق المقابلة أي طرح أميركي واصفًا إياه بالخدعة والاحتيال، بداعي أن الإدارة الأميركية كانت قد أقرت بشرعية المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية وبكون القدس عاصمة لإسرائيل، لفتت مذيعة CNN إلى الآتي:

“مع كل الاحترام، سيدي، إن الرفض القاطع والصريح للجزء السياسي من هذه الصفقة أيًا كان محتواه، سيحمل دونالد ترامب بكل تأكيد، وفق هذه الحجّة، إلى إعطاء الضوء الأخضر لإقدام إسرائيل على ضم المنطقة المتنازع عليها، الأمر الذي بكل صراحة لن يجلب أي منفعة للفلسطينيين تحت أي ظرف.”

إن تجرؤ المذيعة الأميركية على مواجهة ادعاءات عريقات يمثل حالة نادرة تستحق التقدير بحد ذاتها. إذ قلما وجدنا الإعلام الغربي يسلط الضوء بالقدر المطلوب على حقيقة الرفض الفلسطيني المتواصل منذ عقود لأي مشاريع ومقترحات طُرحت لحل الصراع التاريخي مع إسرائيل، بما في ذلك ما كان رئيسا الوزراء الإسرائيليان الأسبقان إيهود باراك (عام 2000) ثم إيهود أولمرت (عام 2008) قد طرحاه على القيادة الفلسطينية (ياسر عرفات ومن ثم محمود عباس) بشكل كان سيضمن للجانب الفلسطيني إنشاء دولته على مساحة تكاد تشمل كافة أراضي 1967. وعليه نختم هذا المنشور بالأمل في أن يتجرأ المزيد من وسائل الإعلام الغربية على مواجهة الرفض الفلسطيني حرصًا منها على تقديم تغطية أكثر دقة لمساعي تحقيق السلام.

أنظر تقرير “كاميرا” بالإنجليزية حول القضية ذاتها

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *