هل العبرية مشتقة من العربية؟؟ تقرير مراسل “إندبندنت عربية” في غزة يحفل بالمغالطات الشنيعة

إعتاد مراسل موقع “إندبندنت عربية” في قطاع غزة عز الدين أبو عيشة مقابلة “خبراء” فلسطينيين من القطاع ونشر آرائهم ومواقفهم من دون أي مراجعة أو تدقيق، حيث تتّصف هذه الآراء للأسف بخليط عجيب من الاتهامات القائمة على الجهل والتناقضات. وسبق لفريقنا أن أشار في تدوينة سابقة إلى ادعاءات كاذبة ساقها مراسل “إندبندنت عربية” نقلاً عن مسؤول في حكومة حماس، حيث زعم الأخير- في سياق كلامه- أن جميع الأوراق القديمة، التي كانت تصف مدن فلسطين قبل مجيء اليهود إليها، كتبت باللغة العربية، ما يعني أنّ الأرض عربية. “ كما أن خبيرًا في شؤون القانون من غزة ادعى، في تقرير آخر نشرته “إندبندنت عربية” (وتطرقنا إليه تفصيلاً في تدوينة سابقة أيضًا)، أن مستوطنات (على حد تعبيره) غلاف غزة تقع “على أرض مخالفة لقوانين الأمم المتحدة” رغم أنها تقع داخل حدود إسرائيل المعترف بها دوليًا.

أما الضحية الأخيرة للأباطيل المروَّج لها في بعض تقارير مراسل “إندبندنت عربية” في غزة فليست إلا اللغة العبرية التي تطرق إليها في تقرير له يوم 20 ديسمبر/كانون الأول 2019 تحت عنوان “بين العبرية والعربية… جذور وتشابهات… ولكن“. وكان محور اهتمام التقرير، كما يدل عليه عنوانه، عقد نوع من المقارنة بين اللغتيْن العبرية والعربية.

غير أن عدم الحيادية في التقرير تتجلى من بدايته، كونه يشير (بالاستناد إلى خبراء اللغات والتاريخ..) إلى أن “اللغة العربية هي الأعم والأشمل والأكبر، بينما اللغة العبرية هي فرع صغير مقتبس من العربية..“. إن هذه الملاحظة تثير التساؤلات والغرابة وتدل على جهل عميق بتاريخ اللغات. إذ إن اللغة العبرية صاحبة تاريخ أطول، حسب جميع المصادر الموثوقة، من العربية، الأمر الذي يستطيع أي بصير إدراكه بداهةً لمجرد التفكير في تاريخ وضع الكتب المقدسة للديانتيْن اليهودية (التوراة التي تم تأليف كتبها المختلفة على مدى قرون لكنها صُنفت وجُمعت نهائيًا بصيغتها المعروفة حاليًا في االقرن الخامس أو الرابع قبل الميلاد) والإسلامية (حيث يُعتبر القرآن الكريم أول نصّ مكتوب باللغة العربية ولم يتم جمعه إلا في القرن الهجري الأول أي القرن السابع الميلادي). من هنا نستغرب أصلاً ادعاء المراسل أبو عيشة بأن “العبرية حديثة الولادة“.

ويشار إلى أن المراسل أبو عيشة استند فيما كتبه إلى عدد من الخبراء، حيث كتب الآتي: “وأكد خبراء في التاريخ لـ “اندبندنت عربية”، أنّ اللغة العبرية المنتشرة اليوم بين اليهود، ليست هي ذاتها العبرية القديمة المستعملة في المعابد الدينية الخاصة بهم، التي يُمنع على اليهود استخدامها في الحياة اليومية..“. غير أن رأي هؤلاء “الخبراء” لا يمكن وصفه إلا بالسخيف، ذلك لأن العبرية الحديثة (التي يصح القول إنها “استُحدثت” كلغة منطوقة ومستخدمة على نطاق واسع في المعاملات اليومية خلال القرن الـ19) زاخرة بالكثير من المفردات والتعابير الواردة أصلاً في كتب الموروث الديني اليهودي وفي مقدمتها التوراة. ويمكن القول إن المسافة التي تفصل بين قارئ أو ناطق العبرية العصرية وبين التوراة ليست أبعد من المسافة القائمة بين الناطقين بالعربية اليوم وبين القرآن الكريم أو الحديث الشريف مثلاً اللذيْن يحتاج حتى المثقفون من “أهل الضاد” للاستعانة بالقواميس والشروحات لفهم مغزى الكثير من المفردات الواردة فيهما. ويأتي الأمر طبيعيًا على ضوء التطور المطّرد الحاصل على أي لغة يومًا بعد يوم.

وإذا ما أمعنّا النظر قليلاً في تاريخ اللغات فإن العبرية والعربية (وأيضًا الآرامية التي كانت اللغة الأكثر انتشارًا في المنطقة لقرون وكُتبت بها بعض كتب التوراة وأيضًا التلمود اليهودي) تمثلان فرعيْن مختلفيْن من عائلة اللغات السامية. وبالتالي فإن التفكير بأن إحدى اللغتيْن منبثقة عن الثانية خاطئ أساسًا، على الرغم من الصلات الوثيقة التي كانت تربطهما على مرّ التاريخ وتأثيرهما المتبادل على بعضهما البعض (العائد جزئيًا إلى ارتباط كلتيْهما بالآرامية). صحيح القول إن العبرية تأثرت في بعض مراحلها كثيرًا بالعربية، لا سيما في القرون الوسطى حيث هيمنت العربية بصفتها لغة حضارة الإسلام على المناطق المترامية الأطراف من الأندلس غربًا وحتى حدود الصين شرقًا حيث كانت تقيم أيضًا معظم الجاليات اليهودية، غير أن الأمر أبعد ما يكون عن الجزم بأن العبرية مشتقة من العربية خاصة وأنها سبقتها تاريخيًا كلغة مكتوبة كما أسلفنا.

ومما يزيد الطين بلة، ويكشف عورة مراسل “إندبندنت عربية”، تفسيره الخاطئ لبعض المفردات العبرية الدالّ قطعًا على جهله بهذه اللغة، مما يثير الاستغراب حول تجرؤه على الكتابة عنها أصلاً. إذ جاء في التقرير ما يلي: “على أيّ حال، فإنّ اللغة العبرية والعربية قريبتان جداً، ومن حيث اللفظ، فإنّ كلمة (מערה) تُلفظ بالعبرية “كهف” ومعناها بالعربية “كهف”، وكذلك الأمر في كلمة (מונה) تُلفظ “عين”.. عند مطالعة هذه السطور كان من الواضح أن المراسل أبو عيشة قد اختلط عليه الفهم تمامًا أو لعله أساء استخدام مترجم جوجل. في الحقيقة تشبه المفردة العبرية מערה حرفًا ولفظًا المفردة العربية مغارة التي يرادف معناها الكهف؛ والأمر ذاته ينطبق على المثال الآخر حيث تُلفظ المفردة العبرية מונה بما يشابه “مُوناه” بالحروف العربية بينما يكون معناها بالفعل مقابلاً للمفردة العربية عُيِّن.

بالطبع لا ننكر التشابهات الكثيرة بين مئات بل الآلاف من المفردات العبرية والعربية، مع العلم أن المعلومات في هذا الميدان في متناول اليد عبر الشبكة العنكبوتية وكان باستطاعة مراسل “إندبندنت عربية” الوصول إليها بسهولة لو كلف نفسه عناء ذلك. وقام فريق “كاميرا العربية” بتجربة صغيرة حيث كتبنا في جوجل المفردات الواردة في الصورة أدناه:

لنجد تلقائيًا الأشرطة التالية (غيض من فيض!)


غني عن التذكير بأن الخبراء الحقيقيين (بخلاف أولئك الذين اقتبس المراسل أبو عيشة من أقوالهم في تقريره) قد درسوا بعناية الروابط بين العبرية والعربية، حيث يمكن الإشادة في هذا المضمار بالدور الذي يلعبه بعض المثقفين من المواطنين العرب الإسرائيليين الذين يجيدون بحكم موقعهم كلتا اللغتين. ونكتفي هنا بالإشارة إلى الكتاب القيّم ذي العنوان المثير “والله بسيدر” (تعني “بسيدر” “تمام” بالعربية) الذي أصدره د. عبد الرحمن مرعي حول الواقع اللغوي المعقد الذي يعيشه المواطنون العرب في إسرائيل حيث كثيرًا ما تتخلل الكلمات العبرية حديثهم بالعربية.

أما الشق الأخير من المغالطات التي تتخلل تقرير مراسل “إندبندنت عربية” حول الموضوع فيتعلق بادعائه بأن اليهود يتقنون العربية، حيث كتب ما يلي: “وفي مراقبة المجتمع الإسرائيلي، فإنّ الملاحظ عموماً، أنّ غالبية اليهود يتقنون اللغة العربية، ويسعون إلى تعلّم قواعدها، وطريقة الحديث فيها سواءً بالفصحى أو العامية، وينجحون في معظم الوقت في إتقانها، بسبب التقارب بين اللغتين“. هنا يؤسفنا الإقرار بالحقيقة القائلة، وفق أول دراسة من نوعها أجراها معهد “فان لير” للأبحاث في القدس عام 2015، إن نسبة اليهود الإسرائيليين الذين يدّعون معرفتهم الجيدة بالعربية لا تتجاوز 10% بينما تتراجع نسبة أصحاب المهارات اللغوية المتقدمة (مثل قراءة التقارير الصحفية أو التراسل بالعربية) بين اليهود الإسرائيليين إلى 3% فقط.

كما أن أسباب إتقان اليهود للغة العربية التي ساقها تقرير “إندبندنت عربية”، استنادًا إلى “الخبير” أحمد رفيق عوض، ليست دقيقة، حيث عزا التقرير الأمر أولاً إلى اهتمام اليهود في فهم طريقة تفكير الشعب الفلسطيني، أي ما نستطيع وصفه بأنه يأتي من باب “إعرف عدوّك”. إن هذا الرأي ينطوي على كثير من المبالغة حتى وإن استحال إنكاره تمامًا، ذلك لأن الكثير من اليهود المهتمين باللغة العربية يقدّرون حقًا ثرائها وجمالها ويريدون التواصل مع المتحدثين بها (وهم بالمناسبة ليسوا الفلسطينيين وحدهم بل أبناء الشعوب العربية كافة) بصفاء النية وليس انطلاقًا من أي مصلحة سياسية أو أمنية.

لكن لا يسعنا للأسف تعميم هذا الحكم على المراسل أبو عيشة الذي أظهر بتقريره الجهل وحتى الكسل عند حديثه عن اللغة العبرية..



أنظر تقرير مرصد الإعلام البريطاني التابع لمؤسسة (كاميرا) حول القضية ذاتها

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *