“نيويورك تايمز” والشأن الفلسطيني.. تغطية مغرضة ومشكوك فيها

من المعروف أن صحيفة “نيويورك تايمز” الأميركية الشهيرة تتخذ موقفًا منتقدًا من سياسة إسرائيل فيما يتعلق بالشأن الفلسطيني، ولا ضير في الأمر طالما التزمت الصحيفة بمعايير التغطية الدقيقة والنزيهة لمجريات الأحداث. غير أن متابعة كيفية تعامل “نيويورك تايمز” مع بعض الأحداث الجارية في قطاع غزة مؤخرًا تستدعي الشكوك في مصداقيتها.

إذ كانت الأنباء قد أفادت، يوم 10 أبريل/نيسان 2020، أن أجهزة الأمن التابعة لحركة حماس اعتقلت الناشط الفلسطيني رامي أمان بتهمة “الخيانة” عقب تواصله مع مواطنين إسرائيليين عبر تطبيق “زوم” للاتصالات المرئية. غير أن مراسل الصحيفة الأميركية، عندما نشر قصة الناشط أمان، لم يذكر قط أنه أصبح رهن الاعتقال بل اكتفى (كما تشهد على ذلك تغريدة له على موقع “تويتر”) بالاقتباس من “مزحة” أدلى به رامي أمان خلال الاتصال الآنف الذكر، حيث قال إن فيروس كورونا جعل غزة على قدم المساواة مع سائر بقاع الأرض (قاصدًا، ضمنًا، أن “الحصار” المفروض على غزة، وفق الرواية الفلسطينية، بات يطال سكان جميع أنحاء المعمورة بسبب انتشار الفيروس فيها).

ويشار إلى أن نبأ اعتقال أمان كان معلومًا قبل قيام “نيويورك تايمز” بنشر تقريرها، حيث كان المتحدث باسم وزارة الداخلية التابعة لحكومة حماس بغزة قد أعلن عن الاعتقال عبر منشور له على الفيسبوك. وإذا كان لنا أن نبحث عن العذر لهذه “السقطة” في أداء مراسل الصحيفة الأميركية، لعجزه عن قراءة اللغة العربية، فإن الدلائل تؤكد أن مصادر مختلفة نشرت نبأ اعتقال رامي أمان باللغة الإنجليزية ومنها، على سبيل المثال لا الحصر، الصحفي الفلسطيني خالد أبو طعمة الذي نشر تغريدة حول الموضوع عبر “تويتر” بالإضافة إلى تقرير على موقع صحيفة “جيروزاليم بوست” الإسرائيلية.

كما أن “نيويورك تايمز”، لو كلفت نفسها عناء البحث قليلاً في رحاب الإنترنت، لكانت ستكتشف حقيقة تعرض رامي أمان مرارًا للاعتقالات والمضايقات من قبل أجهزة حماس الأمنية في غزة، وذلك بغض النظر عن انتقاداته العلنية لإسرائيل. وعليه لا بد من التأكيد أن مراسلي الصحيفة أبدوا تقصيرًا واضحًا في تعاملهم مع الموضوع. ومما يزيد الأمر غرابةً، بل تشكيكًا، أن “نيويورك تايمز” تجنّبت تحديث تقريرها حول رامي أمان حتى بعد إحاطة مغرّدي “تويتر” مراسلها ديفيد هلفينغر علمًا بنبأ اعتقال الناشط الفلسطيني، وعلى الرغم من أن جميع وسائل الإعلام البارزة ومنها وكالات الأنباء الدولية “رويتر” و”أسوشييتد برس” ووكالة الأنباء الفرنسية أوردت هذا النبأ.

غير أن الأمر لا يقف عند هذا الحدّ.. إذ جاء في تقرير “نيويورك تايمز” أن “صحافية” تدعى هند الخضري (الواردة صورتها أعلاه) كانت قد نددت على الفيسبوك بإقدام رامي أمان وآخرين على التواصل مع نشطاء سلام إسرائيليين، لا بل إنها أرفقت دعوتها بوسوم (هاشتاغ) موجهة إلى ثلاثة من مسؤولي حماس بقصد لفت نظرهم إلى ما قام به المواطنون الغزيون هؤلاء (علمًا بأن الخضري نفت فيما بعد أن تكون سببًا في اعتقال رامي أمان). أما ما يثير التساؤل حول تغطية “نيويورك تايمز” (وهي، للأمانة، ليست وحيدة بل يطال الأمر وسائل إعلام غربية أخرى) فيتعلق بإخفائها حقيقة كون هند الخضري في الماضي موظفة في منظمة العفو الدولية (أمنستي). أليس من واجب الصحيفة التطرق إلى هذا الأمر؟

جدير بالذكر أيضًا، في السياق ذاته، أن حالة هند الخضري ليست فريدة من نوعها بل تماثلها حالات أخرى من تفادي “نيويورك تايمز” وبعض وسائل الإعلام الرئيسية الأخرى، بصورة مشبوهة، الكشف عن توجهات سياسية متشددة لبعض موظفي منظمات حقوق الإنسان من الفلسطينيين. وهكذا مثلاً كانت منظمة “بتسيليم” الإسرائيليةقد وظفت لبعض الوقت المدعو عاطف أبو الرب الذي أنكر حقيقة وقوع المحرقة النازية بحق اليهود. ولم تعمد “بتسيليم” إلى إقالة أبو الرب إلا بعد الكشف عن تسجيل بالكاميرا الخفية أثبت حقيقة إدلائه بتصريحات بهذا المعنى. ولم تنل القضية حينها (عام 2014) ما كان يليق بها من تغطية إعلامية على صفحات “نيويورك تايمز” وغيرها.

خلاصة القول: يبدو أن صحيفة “نيويورك تايمز” لا تلتزم، على الأقل في جزئية مهمة من تغطيتها للملف الإسرائيلي الفلسطيني، برسالة الصحافة القائمة على النزاهة والموضوعية بعيدًا عن المواقف السياسية.

أنظر تقرير موقع “كاميرا” بالإنجليزية حول الموضوع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *