هل الإستناد الأعمى إلى البيانات والتصريحات الرسمية يؤدي الرسالة الصحفية بمهنية وأمانة؟! تقرير الجهاز المركزي الفلسطيني للإحصاء كحالة نموذجية

إعتاد الجهاز المركزي الفلسطيني للإحصاء نشر تقرير سنوي تزامنًا مع حلول ذكرى ما يُسمَّى النكبة الفلسطينية التي توافق يوم 15 أيار/مايو من كل عام. ويستعرض هذا التقرير أوضاع الشعب الفلسطيني ديمغرافيًا بمختلف مكوناته (خاصة في الضفة الغربية وقطاع غزة والشتات) ومختلف الملفات السياسية (اللاجئون، المياه، الأراضي..إلخ) ذات العلاقة بالقضية الفلسطينية.

بطبيعة الحال تقوم بعض وسائل الإعلام التي تعني فريقنا بتغطية هذا التقرير، غير أن الموضوع يستحق وقفة جادة مع دور الإعلام الحرّ بمجمله: هل ينحصر هذا الدور في الاستشهاد بالتقارير الصادرة عن جهات رسمية (أيًا كانت)، ما يعني تقبّل المعطيات الواردة فيها كما هي، بما تنطوي عليه من سرديات ومواقف، أم يتخطى هذه الحدود نحو التدقيق في التقرير وعرض معطيات أخرى ذات صلة ولو كانت تتعارض مع محتويات التقرير؟ ونعتقد بالطبع بأنه يتحتم على أي جهة إعلامية نزيهة الوفاء بالتزاماتها وعدم الاكتفاء بالاستنساخ الأعمى لأي موقف رسمي.

يبدو أن وكالة رويترز الدولية بنسختها العربية لم تسلك هذا المسلك. إذ اكتفت الوكالة في تغطيتها الأخيرة للموضوع بالاقتباس من تقرير الجهاز المركزي للإحصاء حرفيًا مستخدمة ذات المصطلحات المغرضة والمتحيزة الواردة أصلاً في التقرير مثل “كيان الاحتلال” و “العصابات الصهيونية” (التي اقترفت بحسب تقرير الجهاز المركزي للإحصاء 70 مجزرة خلال حرب 1948، وهو أمر مشكوك فيه بحد ذاته). صحيح أن الاقتباس بهذا الشكل يعفي رويترز من أي مسؤولية “رسمية” عما تنشره، لكنه يخالف قواعد نزاهة العمل الصحفي التي تستوجب التوازن والحيادية، لا سيما وأن الكثير من وسائل الإعلام الأخرى تستشهد فيما بعد بما تورده رويترز بالنظر إلى موقعها الهام على خارطة الأخبار الدولية. وهكذا تساهم رويترز في الترويج لسردية فلسطينية أحادية وغير منضبطة. ويجب التنويه، بالمناسبة، إلى أن هذا النهج ليس جديدًا بالنسبة لوكالة رويترز بل تكرر في سياق تغطيتها لتقارير النكبة السابقة (مثلاً في العام الماضي 2019) الصادرة عن جهاز الإحصاء الفلسطيني.


صورة تؤكد حق العودة للاجئين الفلسطينيين كما وردت في تقرير الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني الصادر بمناسبة الذكرى الثانية والسبعين للنكبة

ولو خضنا قليلاً غمار سلبيات الاقتباس الحرفي من تقرير جهاز الإحصاء الفلسطيني، كما فعلت وكالة رويترز، لوجدنا أنه حتى الأرقام الأساسية المتعلقة بحجم النكبة صارت مدار خلاف بين الباحثين. وهكذا مثلاً يدّعي التقرير بأن مجموع عدد اللاجئين الفلسطينيين الذين تم تهجيرهم من أراضيهم عام 1948 يربو على 800 ألف شخص، غير أن مصادر أخرى موثوقة تتحدث عن عدد أقل من ذلك يزيد على 700 ألف بحسب موسوعة ويكيبيديا بالإنجليزية أو على 750 ألف وفق النسبخة العربية للموسوعة. وعليه كان من واجب رويترز على الأقل تقصي المعطيات الواردة في التقرير وإضافة ملاحظة توضيحية وتوعية القراء بوجود خلافات تدور حول الحقائق والأرقام المذكورة أصلاً في التقرير.

تجدر الإشارة إلى أن موقع “سكاي نيوز عربية” البريطاني – الإماراتي، الذي يهتمّ فريق (كاميرا العربية) بمتابعته أيضًا، درج أيضًا على نقل بعض محتويات تقرير الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني حرفيًا وإن بتفصيل أقل.

وعليه نؤكد ختامًا أن وسائل الإعلام الدولية الناطقة بالعربية لا يجوز أن تسير على منوال الخطاب الفلسطيني أو أن تصبح بوقًا إعلاميًا من أبواق أي جهة فلسطينية رسمية. بل على العكس، حيث تقتضي الضرورة التزام المؤسسات الإعلامية تلك جانب الحياد والموضوعية، وبالتالي أن تدأب على نقل صورة سياقية شاملة لأي مسألة تغطّيها، ما يعني عمليًا عدم الاستشهاد الحرفي بأي نص بل إضافة الملاحظات عليه كلما كانت هناك حاجة لذلك.


أنظر التقرير الصادر عن الموضوع باللغة الإنجليزية في موقع (كاميرا)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *