خطاب عباس: تغطية إعلامية ناقصة ومشوَّهة

إتسمت تغطية المواقع العربية التابعة لأبرز وسائل الإعلام الغربية للخطاب الذي ألقاه رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس (أبو مازن) أمام المجلس المركزي الفلسطيني في مستهل دورته الأخيرة في رام الله يوم 14 كانون الثاني/يناير 2018، بالاقتضاب الشديد والتجاهل شبه التام لمحتويات الخطاب على الرغم من أنه كان مطولاً واستغرق أكثر من ساعة من الزمان.

طاقم (كاميرا العربية) رصد هذه التغطية متسائلاً في أعقابها عما إذا كان اختزال نص خطاب عباس في أبرز المواقع العربية الغربية بكلمات معدودة لا أكثر متعمداً أم جاء لحاجة في نفس يعقوب كما يقال..

دعونا نقدم لكم عدة أمثلة على هذه التغطية التي نعتبرها ناقصة ومشوهة. إذ اكتفت بي بي سي العربية بالإشارة إلى أن عباس قال إن إسرائيل أنهت اتفاقات أوسلو ووصف خطة الرئيس الأميركي دونالد ترامب لاستئناف المفاوضات الإسرائيلية الفلسطينية بأنها “صفعة القرن”.

واكتفت سكاي نيوز العربية هي الأخرى (مستندة إلى وكالة الصحافة الفرنسية AFP) بالاقتباس من خطاب عباس قوله إن إسرائيل أنهت اتفاقات أوسلو. كما أوردت سكاي نيوز العربية، على هامش نبأ لاحق لها بشأن القرار الأميركي بخفض الدعم المالي لوكالة أنروا الدولية للاجئين الفلسطينيين، أن عباس راجع ترامب خلال خطابه الآنف الذكر بالقول “عيب عليك” انتقادًا لطريقة تعامل ترامب مع الملف الفلسطيني، إلا أنها تجاهلت حقيقة توجيه عباس لعنة مباشرة لترامب بقوله له “يخرب بيتك” (علمًا بأن جميع وسائل الإعلام التي رصدناها تجنبت أيضًا ذكر هذه العبارة).

أما سي إن إن العربية فيُحسب لها تغطيتها الأكثر تفصيلاً لخطاب عباس لكنها تناولت أيضًا فقرات صغيرة من الخطاب مركزةً على رفض رئيس السلطة الفلسطينية لفكرة جعل بلدة أبو ديس عاصمة الدولة الفلسطينية بالإضافة إلى تأكيده أن إسرائيل أنهت اتفاقات أوسلو.

وإذا كنا نتوقع أن تتطرق قناة الحرة الممولة من الإدارة الأميركية بالتفصيل الأكبر إلى خطاب عباس، فقد خاب أملنا أيضًا، كونها قد اكتفت بتقديم تقرير مصور قصير حول الخطاب في موقعها لم تكرس إلا ثوانٍ معدودات منه لبث مقطع من الخطاب نفسه، كما أنها ذيّلت التقرير بالعنوان الآتي “عباس يرفض خطة ترامب للسلام ويصفها بأنها صفعة العصر”.

كانت الآمال تراود طاقم (كاميرا العربية) في أن يكون وضع وكالات الأنباء الدولية من حيث تغطيتها لخطاب عباس، كون تقارير هذه الوكالات تستهدف وسائل الإعلام الأخرى لتقتبس منها ما تشاء، فإن هذا التمني لم يُستجَب أيضًا. إذ اكتفت رويترز العربية بتقرير مقتضب نسبيًا عن خطاب عباس لم يشمل إلا استشهادًا بجُمل معدودة وردت فيه، مع التركيز على رفض عباس للوساطة الأميركية في عملية السلام ومطالبته بوساطة دولية فضلاً عن تأكيده على موقع القدس المحوري عاصمة أبدية للفلسطينيين. وكانت تغطية وكالة الصحافة الفرنسية (AFP) مماثلة من حيث المواضيع التي تناولتها.

كل ما تقدَّم إنما يشير إلى نقص واضح في التغطية الإعلامية للخطاب المطوَّل الذي ألقاه محمود عباس أمام المجلس المركزي الفلسطيني. إذ إن الخطاب تضمن عبارات شديدة الخطورة تجاه إسرائيل تثير الشكوك حول جدية الخطاب الفلسطيني الرسمي بشأن الالتزام بعملية السلام وحل الدولتيْن للشعبيْن. ومن أبرز ما جاء في النص الكامل للخطاب، كما أورده موقع صدى الأمة المصري  ، أن “الطبيعة الوظيفية لإسرائيل تعني أن الاستعمار اصطنعها لتقوم بوظيفة معينة، فهي مشروع استعماري لا علاقة له باليهودية، لكن استعمل اليهود ليكونوا أداة فكانوا تحت شعار أرض الميعاد وأرض الحب فجاؤوا بهم إلى هنا، فالقضية لم تبدأ منذ مئة عام بل بدأت قبل ذلك بكثير في سنة 1653 عندما حكم كرومويل بريطانيا، وهو من سوى انقلاب على الملكية وصار رئيس جمهورية أي قبل 300 سنة من وعد بلفور، وفكر بنقل اليهود من أوروبا إلى الشرق الأوسط إلى هذه المنطقة لانهم يريدون هذه المنطقة لتكون مغفرا أماميا لحماية القوافل والمصالح القادمة من أوروبا إلى الشرق..”. ويشار إلى أن عباس استند في هذا “التحليل” إلى المثقف المصري الراحل عبد الوهاب المسيري الذي كان قد وضع العديد من المؤلفات عن تاريخ اليهودية والصهيونية لكنها للأسف أبعد ما تكون عن الحقائق التاريخية وتنطلق من العداء المكشوف لإسرائيل ورفض الاعتراف بوجودها.

قد يقول قائل إن موقف عباس من الحركة الصهيونية ليس بجديد، فالرجل كما هو معروف كان قد وضع رسالة دكتوراة اتهم فيها الصهيونية بالتعاون مع النازية الألمانية التي ارتكبت أفظع الجرائم الإنسانية على مر التاريخ متمثلاً بإبادة ملايين اليهود ف محارق الغاز إبان الحرب العالمية الثانية. كما أننا لا ننفي حق عباس في الإدلاء بآراء ومواقف كهذه مهما كانت تتناقض بوضوح مع أي خطاب سلمي.

غير أنه لا بد من توجيه انتقاد صريح لوسائل الإعلام التي تخالف رسالتها بسوق الأخبار الموضوعية بغض النظر عن أي اعتبارات سياسية. ويعني ذلك، في حالة محمود عباس، طرح مواقف الرجل على حقيقتها حتى وإن كانت تتضارب مع صورته السلمية المعتادة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *