الإعلام العربي أسير قطاع غزة المحاصر

لا يختلف اثنان على حجم المأساة الإنسانية التي يعيشها سكان قطاع غزة الذين يُقدَّر عددهم بالمليونين. ويدأب الاعلام العربي على نشر وقائع معاناة سكان غزة وبثها لكشف حقيقة الأوضاع الإنسانية المترديّة في القطاعات المختلفة ومنها الكهرباء والمياه والبطالة والقيود المفروضة على حرية التنقل وغيرها.

واحتلت هذه القضايا صدارة الإضراب التجاري العام الذي عمّ القطاع يوم الثلاثاء الموافق 18/2/2018 احتجاجًا على سوء الأوضاع المعيشية ورداءتها. وجاء في  تقارير وسائل الإعلام العربية من غزة أن جميع المحال التجارية أغلقت أبوابها كما امتنعت الشاحنات عن إدخال المواد والبضائع عبر معبر كرم أبو سالم فيما تعطلت المواصلات وحركة السير.

وحرصت وسائل الإعلام العربية على أن تعزو سبب الأوضاع المتردية إلى ما وصفته بالحصار الكامل / الشامل / المحكم (وغيرها من الصفات التي تستهدف التشديد على قسوة “الحصار”) الذي تفرضه إسرائيل، حسب ادّعائها، على القطاع منذ عام 2007. كما أن هذه التقارير لم تقصّر في تذكير متابعيها بأن القطاع كان قد تعرّض لثلاث حروب مدمرة خلال السنوات الماضية.

بغض النظر عن الأسباب التي أدت إلى اندلاع موجات العنف هذه، يجب التأكيد على أن الإعلام العربي يتجاهل بمجمله حقيقة بسيطة ألا وهي أن الحرب (شأنها شأن رقصة التانجو وفق المقولة الشهيرة) تحتاج دائمًا طرفيْن، وعليه يستحيل تحميل الجانب الإسرائيلي المسؤولية الحصرية عما جرى..

غير أن ما يعنينا في هذا المقال هو أن وسائل الإعلام العربية من دون استثناء تقريبًا درجت على توجيه اللوم إلى إسرائيل وحدها بصفتها الجهة الأولى والرئيسية المسؤولة عن تردي الأوضاع المعيشية في غزة. ولا يسعنا إلا القول إن الإعلام العربي أصبح كمن يغطي الشمس بالغربال.. فمن فرط انهماكها في مؤازرة سكان غزة المنكوبين حقًا والتعاطف معهم، نسيت وسائل الإعلام العربية أو تناست دورها الأساسي، بحكم أخلاق المهنة الصحفية، المتمثل  بدراسة ومراجعة الحقائق وسوقها الى القارئ. فعلى سبيل المثال تجاهلت التقارير ما نشره مكتب منسق شؤون الحكومة الإسرائيلية في المناطق من معطيات تقول إنه منذ بداية العام دخلت إلى القطاع 300 شاحنة يوميًا وذلك تنفيذًا لقرار الحكومة الإسرائيلية السماح بدخول جميع البضائع التجارية والإنسانية إلى القطاع باستثناء الموادّ التي تعتبر ثنائية الاستعمال خشية استخدامها للأغراض العسكرية.

معبر كرم أبو سالم بجنوب قطاع غزة

لكن إذا ساورت البعض الشكوك حول مصداقية المعطيات الإسرائيلية، فإنه ليس بحاجة إلى بذل جهد جهيد أو القيام بدراسة عميقة، بل يكفيه إلقاء نظرة سريعة إلى صفحة مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية التابع للأمم المتحدة عن حالة تشغيل معابر غزة، مما يدلّ على أن شهر كانون الأول/ديسمبر 2017 شهد دخول ما لا يقل عن 10,327 شاحنة محملة بالبضائع إلى قطاع غزة، بالإضافة إلى 460 شاحنة محملة بمواد إنسانية. واستمر نقل البضائع إلى القطاع بوتيرة مماثلة خلال شهر كانون الثاني/يناير 2018 حيث دخلت إلى القطاع 8,354 شاحنة محملة ببضائع تجارية و222 شاحنة محملة بمواد إنسانية، كما جاء في معطيات الأمم المتحدة.

بالتالي لا يصحّ إلا القول إن الإعلام العربي نفسه بات أسير الحصار على قطاع غزة، فبدلاً من استقصاء الحقائق انضم الى الجهات التي تريد إخفاءها وتغطيتها بالشعارات الجوفاء التي لا تسمن ولا تغني من جوع. بالطبع يجوز تسييس أي قضية والاختلاف فيها، لكن أي نقاش موضوعي يجب أن يستند إلى الحقائق، وهذا ما يغيب للأسف عن التغطية الإعلامية العربية لقضية غزة.

إن الإعلام العربي يفقد مصداقيته المهنية عندما يتجنب طرح الحقائق الأساسية عن كميات البضائع التي تُنقل من إسرائيل إلى غزة باستمرار، ما يجعله ينساق وراء من يستغلّ معاناة الغزيين لتحقيق مصالح آنية بعيدًا عن الموضوعية الواجب على أي إعلام حرّ ونزيه التقيد بها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *