هكذا تظهر صورة التغاضي عن الإرهاب: “بي بي سي عربي” تصوّر الفلسطينية أحلام التميمي تمشيًا مع الآراء السائدة في مواقع التواصل الاجتماعي

يطالعنا موقع “بي بي سي عربي” ببرنامجه “تريندينغ” الذي يسعى لاستطلاع آراء “الشارع العربي” حول قضايا مختلفة، ولعله موفَّق في تحقيق هذه الغاية. غير أن البرنامج الذي تم بثه على الهواء يوم 8 أكتوبر/تشرين الأول 2020 لفت انتباه فريق “كاميرا عربية” كونه أطلق لنفسه العنان للتنصل من مسؤوليته الأساسية المتمثلة بضرورة طرح السياق اللائق على المشاهدين.

صورة حلقة برنامج “ترينيدينغ” حول أحلام التميمي


وقد تناول البرنامج التعليقات التي وردت على مواقع التواصل الاجتماعي عقب مقابلة جرت مع الإرهابية الفلسطينية أحلام التميمي بشأن زوجها نزار التميمي وهو أيضًا من ذوي السوابق الإرهابية. إذ تؤكد الحقائق أن أحلام التميمي لعبت دورًا هامًا في ارتكاب الاعتداء الانتحاري على مطعم “سبارو” في القدس يوم 9 أغسطس/آب من عام 2001، الذي أوقع ما لا يقل عن 15 قتيلاً. أما نزار التميمي فكان قد شارك عام 1993 في عملية قتل المدني الإسرائيلي حاييم مِزراحي طعنًا بالسكين ومن ثم إضرام النار في سيارة الضحية بعد وضع الجثة في صندوقها الخلفي.

غير أن برنامج “تريندينغ”، الذي تطرق على مدى 6 دقائق إلى قضية الزوجيْن نزار وأحلام التميمي، كان خاليًا من أي انتقاد، مهما كان صغيرًا، لسجلّهما الإرهابي الحالك. واكتفى البرنامج بعرض حملة التضامن معهما الجارية عبر المواقع الاجتماعية مصورًا القضية على أنها تخص حرية التعبير ليس إلا. كما أن البرنامج قدّم أحلام التميمي على أنها “متهمة بالضلوع” في التفجير الانتحاري الآنف الذكر في القدس، متجاهلاً حقيقة اعترافها العلني بمساهمتها في ارتكاب العملية البشعة تلك. أما نزار التميمي فلم يذكر البرنامج قط سبب إيداعه السجن الإسرائيلي في الماضي.

وتم بث البرنامج تحت هاشتاغ #الأردن: احلام التميمي صوتك عالي. ووصفت مقدمة البرنامج رانيا عطار الزوجين التميمي بالأسيريْن المحرَّريْن من السجون الإسرائيلية وسردت للمشاهدين قصة خطبتهما أثناء فترة حبسهما ومن ثم زواجهما بعد إطلاق سراح كليْهما ضمن صفقة التبادل المتعلقة بالإفراج عن الجندي الإسرائيلي غلعاد شاليط عام 2011. وتم عرض هذه التفاصيل وسط مشاهد وصور عاطفية حول الحياة الزوجية لنزار وأحلام التميمي في عمَّان.

ثم انتقلت مقدمة البرنامج إلى عرض آخر تطورات الزوجيْن المتمثلة بقرار السلطات الأردنية عدم تجديد حق إقامة نزار التميمي في المملكة مع زوجته (وهي مواطنة أردنية)، مما أدى إلى إبعاده إلى قطر. كما أورد البرنامج ادعاء محمود التميمي، شقيق نزار، بأن خطوة الإبعاد جاءت رضوخًا من الأردن للضغوط الأميركية بعد رفضه السابق طلب الإدارة الأميركية تسليمها أحلام التميمي.

وشرح البرنامج فيما بعد أن أحلام التميمي عادت إلى الواجهة الإعلامية لمناشدتها العاهل الأردني عبد الله الثاني السماح بعودة زوجها نزار إلى الأردن. وعرض البرنامج مقطعًا من مقابلة أجرتها إحدى الإذاعات الأردنية مع أحلام التميمي بهذا الخصوص إلا أنها قُطعت عمدًا، كما يبدو، رغم تظاهر الصحفييْن اللذيْن قابلاها بأن الأمر يعود إلى خلل فني. وبالتالي عرض البرنامج، كعادته، عدة تعليقات من مواقع التواصل على القضية أشادت جميعًا بأحلام واعتبرت تعامل الإذاعة الأردنية معها مهينًا.

وانتهت حلقة برنامج “تريندينغ” المذكورة بمراجعة أحلام التميمي مباشرةً وإفساح المجال لها لتوجيه مناشدتها إلى ملك الأردن بخصوص زوجها. وعرضت المشاهد الأخيرة من البرنامج ما وصفه بالمعالم الرئيسية لحياة أحلام التميمي التي كانت، وهنا المفارقة العجيبة، الفرصة الأولى التي أتيحت للمشاهد المحايد والجاهل بالخلفية التاريخية للاطّلاع على الماضي الإرهابي لهذه المرأة، حيث ذُكر أنها كانت أول امرأة تنضمّ إلى كتائب القسام الجناح العسكري لحماس وقد اتُهمت بالضلوع في التفجير الذي حدث في مطعم “سبارو” في القدس، ثم أدرجتها وزارة العدل الأميركية عام 2013 على قائمة أخطر الإرهابيين المطلوبين بسبب دورها في الاعتداء الإرهابي المذكور.

غير أن تناول “بي بي سي عربي” لقضية أحلام التميمي كان ناقصًا ومعيبًا تبعًا لأبسط المعايير الصحفية التي تلزم وسائل الإعلام بالكشف أمام متابعيها عن كافة الحقائق الموضوعية المتعلقة بالقضايا التي تغطيها، دون أي لف أو دوران. وهكذا، كما ذكرنا أعلاه، عرض برنامج “تريندينغ” علاقة أحلام التميمي مع التفجير الانتحاري في مطعم “سبارو” على أنه أمر يحيط به بعض الغموض أو ما زال بحاجة إلى إثبات، متجاهلاً حقيقة تباهي أحلام التميمي نفسها، مرارًا وتكرارًا، بالدور المحوري الذي لعبته في تنفيذ الاعتداء الشنيع (كونها قد أوصلت الانتحاري إلى المطعم المستهدف وأعطته التعليمات المباشرة حول ارتكاب فعلته). وتجنب البرنامج المذكور أيضًا ذكر حصيلة ضحايا الاعتداء وهم 15 قتيلاً جميعهم من المدنيين الإسرائيليين العزَّل ونصفهم قاصرون بالإضافة إلى امرأة حامل.

لعله من المفيد أن نعيد هنا إلى أذهان محرري “بي بي سي عربي” ومشاهدي برامجهم وقراء موقعهم كيف روت أحلام التميمي نفسها أمام عدسة التلفزة التي قابلتها عن رد فعلها عند اطّلاعها على حصيلة الضحايا:

ويشار إلى أن أحلام التميمي لم تُبْدِ إلى اليوم أي ندم عما فعلته، بل على العكس كما يدل على ذلك المقطع المصوَّر الآتي:


ورغم كل ذلك، فإن برنامج “تريندينغ”، الجاري بثه- للتذكير- ضمن برامج هيئة الإذاعة البريطانية العامة، لم يجرؤ حتى على إطلاق صفة “إرهابية” على أحلام التميمي، مناقضًا بالتالي الموقف الرسمي للمملكة المتحدة الذي يعتبر كتائب القسام عامةً طرفًا إرهابيًا، ناهيك عن اعتباره الاعتداء المذكور على مطعم “سبارو” عملاً إرهابيًا. وعليه نتساءل: هل يتخذ “بي بي سي عربي” موقفًا مستقلاً من الإرهاب كما تسوّل له نفسه، بغض النظر عن كونه مؤسسة بريطانية عامة؟ هل “ترضخ” هذه المؤسسة طواعيةً للرأي العام العربي (الذي يجب، مهما كان الأمر محزنًا، الإقرار بنظرته الإيجابية بوجه عام إلى أحلام التميمي و”سيرتها البطولية”) وتتخلى عن الحقائق كلما سببت لها إزعاجًا وحرجًا؟

لشديد الأسف، لم تكن هذه المرة الأولى التي يتجلّى فيها تجاوز هيئة تحرير “بي بي سي” نفسها لمدوّنة السلوك الخاصة بتلك المؤسسة الإعلامية العريقة، بما في ذلك الجزء الخاص بكيفية عرض قصص تتعلق بإلحاق الأذى والجريمة. ولم يبقَ أمامنا، فريق “كاميرا عربية”، إلا مطالبة “بي بي سي” بمراعاة توجيهاتها الداخلية حول كيفية تغطية الوقائع الإخبارية وعرضها بصورة أكثر موضوعيةً وحيادية، حتى وإن كان ذلك- وهذا هو محكّ الصحافة الملتزمة برسالتها- ينطوي على طرح مواقف لا تُعجب جمهورها.

أنظر التقرير الصادر أصلاً بالإنجليزية حول الموضوع على موقع CAMERA UK التابع لمؤسسة “كاميرا”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *