إلى أين ذهبت الموضوعية؟ “سكاي نيوز عربية” تسيِّس تغطيتها حول قضية شريط معادٍ ليهود نشرته منافستها الجزيرة ثم حذفته..

نشرت القناة الرقمية +AJ التابعة لشبكة الجزيرة القطرية باللغة العربية يوم 18 مايو/أيار 2019 شريطًا مصورًا حول محرقة اليهود (الهولوكوست) إبان الحرب العالمية الثانية. وفجّر الشريط فور نشره ضجة إعلامية وانتقادات واسعة، الأمر الذي حدا بقناة +AJ إلى إزالة الشريط المذكور وإيقاف اثنين من الصحافيين العاملين لديها عن العمل
وقد اعترفت الجزيرة رسميًا بالخطأ الفادح الذي ارتكبته بنشر الشريط المذكور، قائلة إن محتوياته تتنافى مع معاييرها. وتجدر الإشارة إلى أن الشريط المذكور ادعى بأن الحركة الصهيونية قد تبنت “الرواية” (أي ليست الحقيقة الموثقة بالإحصائيات بل مجرد “رواية” واحدة من جملة روايات مختلفة..) التي تقول إن النازيين قتلوا 6 ملايين من اليهود. وجاء في الشريط أيضًا أن الاضطهاد الممنهج إبان الحرب العالمية لم يقتصر على اليهود فحسب لكنهم تمكنوا بفضل مواردهم من تسليط الضوء على معاناتهم دون غيرهم. وغني عن القول إن جميع المزاعم من هذا القبيل تُعدّ منذ عقود سلاحًا بيد جهات مختلفة معادية لليهود تعمد إما إلى إنكار حقيقة وقوع الهولوكوست أصلاً أو تسعى إلى التقليل من فظائع مشروع الإبادة النازي.

بينما كانت الجزيرة تستحق كل الانتقادات اللاذعة التي وُجهت إليها بسبب نشر الشريط المذكور (وفي الوقت الذي يجب- للأمانة- الإطراء عليها لسرعة تحركها من أجل إزالة الشريط الجارح والفاضح واتخاذ الإجراءات التأديبية اللازمة بحق المسؤولين عن نشر الشريط)، فإن فريق “كاميرا العربية”، وفي معرض متابعته للنقاش الذي دار حول الموضوع في الساحة الإلكترونية العربية، ولا سيما في المواقع العربية التابعة لوسائل الإعلام الغربية التي تعنينا بشكل خاص، قد انتبه بالذات إلى كيفية تغطية موقع قناة “سكاي نيوز العربية” لما جرى. إذ سارعت القناة، وهي ثمرة الشراكة بين قناة “سكاي” البريطانية ذائعة الصيت عالميًا ومجمع أبو ظبي الإماراتي للاستثمار الإعلامي، إلى اقتناص الفرصة السانحة للطعن في سمعة منافستها الجزيرة القطرية.

وإذا كانت المقولة المتداولة تؤكد أن “المكتوب يُقرأ من عنوانه”، فقد جاء عنوان تقرير “سكاي نيوز عربية” الصادر على موقعها يوم 20 مارس/آذار 2019 بهذا الشأن ليكشف عن حقيقة دوافع القناة الإماراتية لتناول الموضوع، حيث جاء العنوان كما يلي: من أجل إسرائيل.. “الجزيرة” القطرية تطرد موظفين.

عنوان تقرير “سكاي نيوز عربية”

بما يوحي هذا العنوان يا ترى؟ إننا نرى أن العنوان يلمح بالفعل إلى أن انتقاد أي مظهر من مظاهر إنكار حقيقة وقوع محرقة اليهود ليس أمرًا تحتّمه الأخلاق الإنسانية بحد ذاتها، بل إن أي موقف من هذا القبيل إنما يُعتبر رضوخًا لضغوط تمارسها جهات يهودية وصهيونية. ويتعزز الاعتقاد بشأن الدوافع السياسية وراء متابعة “سكاي نيوز عربية” للقضية بقرارها اختتام تقريرها آنف الذكر بالإشارة إلى أن وزارة الخارجية الإسرائيلية قد نشرت على حسابها الرسمي في موقع “تويتر” 21 تغريدة تنتقد “أكاذيب الجزيرة”، مما قد يكوّن لدى القارئ الانطباع بأن الخارجية الإسرائيلية أثرت بطريقة أو بأخرى على قرار الجزيرة الاعتذار رسميًا عن نشر شريط الفيديو المذكور. وتجاهل تقرير “سكاي نيوز عربية” حقيقة تعرض الجزيرة لانتقادات واسعة بسبب محتويات الشريط المذكور لم تقتصر على إسرائيل فحسب بل شملت العديد من الأطراف التي لا تمتّ لإسرائيل بصلة.

ومما يزيد الشكوك حول مصداقية تغطية “سكاي نيوز عربية” لقضية شريط الفيديو قرار القناة الإماراتية حذف جملة من تقرير وكالة الأنباء الفرنسية (أ.ف.ب.) بهذا الشأن الذي كان المصدر الرئيسي وربما الحصري لتغطيتها. إذ اقتبست “سكاي نيوز عربية” من تقرير أ.ف.ب. حرفًا بحرف ما عدا الجملة الآتية: “وقتل النازيون في الحرب العالمية الثانية وبشكل ممنهج ستة ملايين يهودي”. ويستدعي هذا الحذف التساؤل: هل تتخوف “سكاي نيوز عربية” من الإقرار بالحقيقة البسيطة التي تؤكد حجم مأساة اليهود؟ هل تخشى القناة الإماراتية على سمعتها لدى متابعيها العرب الذين أصابهم، للأسف الشديد، داء معاداة اليهود؟

يتعذر على فريق “كاميرا العربية” الجزم بالأسباب التي جعلت “سكاي نيوز عربية” تتعامل مع القضية المشار إليها بهذه الطريقة. غير أننا نعتقد بأن الأمر قد يتعلق بأزمة العلاقات الإماراتية القطرية التي تفجّرت عام 2017 وبلغت حد القطيعة الدبلوماسية بين البلدين واحتدام معركة إعلامية شبه مكشوفة بينهما كانت الجزيرة (القطرية) و”سكاي نيوز عربية” (الإماراتية) اثنتين من أهم اللاعبين فيها. أيًا كان الأمر، فإننا نجد تغطية “سكاي نيوز عربية” مقلقة، لمجرد طرحها الفكرة المغرضة بأن الضوابط التحريرية الخاصة بمنافستها الجزيرة في قضية الشريط المذكور لم تأتِ إلا من أجل إسرائيل.. هل يتماشى هذا الموقف المسيَّس مع معايير الصحافة الحرة والموضوعية التي تتغنى “سكاي نيوز عربية” بحملها؟؟

أنظر تقرير مرصد الإعلام البريطاني التابع لمؤسسة (كاميرا) حول القضية ذاتها

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *