“سكاي نيوز عربية” تخون رسالتها الإعلامية: تقرير خاص عن تغطيتها المتحيّزة لقضية المسجد الأقصى المبارك

لا جديد تحت الشمس، طالما كان الأمر مرتبطًا بموقف شبكة “سكاي نيوز عربية” من الحقائق المتعلقة بالنزاع الإسرائيلي الفلسطيني، وهو موضوع سبق لنا أن تناولناه أكثر من مرة، لكن لا بد من إعادة تسليط الضوء عليه. أما محور التدوينة الحالية فيتعلق بسعي الشبكة الإماراتية- البريطانية، التي تدّعي الحيادية والموضوعية وتتحلى بكونها النسخة العربية من شبكة “سكاي” البريطانية العريقة، للطعن في شرعية رغبة اليهود في زيارة أقدس معالمهم الدينية.

إذ رصد فريق “كاميرا العربية” على مدى العاميْن الماضييْن تكرار حالات اعتماد “سكاي نيوز عربية” بالكامل للرواية الفلسطينية بتحريفاتها المعهودة حول الحرم القدسي الشريف (الأقصى). ودعونا نسوق بعضها للقارئ:

لعل أبرز وأخطر مثال على تحيّز “سكاي نيوز عربية” في هذا السياق يتمثل بتقرير مرئي نشرته الشبكة على موقعها الإلكتروني يوم 17 يونيو/حزيران 2017 بُعيد وقوع اعتداء إرهابي خطير داخل ساحة الأقصى أسفر عن مقتل شرطييْن إسرائيلييْن بالإضافة إلى المعتدين الثلاثة. وتضمن التقرير الادعاء بأن الحادث وفر لإسرائيل “ذريعة قرار كانت تتحين الفرصة لاتخاذه.. وواصلت اسرائيل سياسات كانت بدأتها قبل خمسين عاما تنفيذا لحلم راود ثيودور هرتصل يومًا بإزالة كل ما ليس مقدسًا لليهود من المدينة [القدس]..“. غير أن هذا الادعاء الخاص بهرتصل (مؤسس الحركة الصهيونية الذي توفي عام 1904) لا يمتّ للحقيقة بأدنى صلة، حيث لم يتمنَّ هرتصل قط النيل من الحقوق الدينية للمسلمين في الدولة اليهودية التي كان يتطلع إليها، ناهيك عن عدم إطلاقه أي دعوة لإزالة مقدساتهم الدينية. غير أن التقرير المذكور ذهب أبعد من ذلك مدعيًا أيضًا بأن فترة العقود الماضية “ترافقت مع تقدم لتل أبيب تمثل بتقسيم المسجد جغرافيًا وزمانيًا، إذ حاولت اختزاله بالمصلى القبلي وحددت أوقات للمصلين وحاولت طرد المرابطين والمرابطات.. ودأبت على حفر الأنفاق تحته“. غير أن هذه الادعاءات لا تستند إلى أي أساس من الصحة، إذ لم تحاول إسرائيل على الإطلاق فرض قيود على صلوات المسلمين في أي من المعالم الإسلامية داخل الحرم القدسي الشريف أو تقييد مواعيد الصلوات. أما طرد من يُعرفون بالمرابطين من الأقصى فلم يكن بأي حال سياسة دائمة بل كان إجراء استثنائيًا اتُخذ بحق عدد محدود منهم ولفترات قصيرة ليس إلا. أما بالنسبة للافتراء المبتذل بشأن حفر الأنفاق تحت الأقصى (حيث توحي هذه الصياغة بأن إسرائيل ترغب في إضعاف أساسات الأقصى وتتمنى انهياره) فغني عن التذكير بأن مؤسسات إسلامية هي التي أجرت أعمال حفر واسعة النطاق في الجهة الجنوبية الشرقية من باحات الأقصى لإعادة فتح ما يُعرف باسم “المصلى المرواني“. أما النفق (وليس الأنفاق) الذي بادرت إسرائيل إلى حفره فإن مساره يوازي حائط المبكى (الحائط الغربي أو حائط البراق كما يسميه المسلمون) الذي يحدّ الأقصى من جهته الغربية، حيث كان الهدف من المشروع سياحيًا بمجمله.

قضية الأنفاق هذه كانت محور تزوير آخر للحقائق أقدمت عليه “سكاي نيوز عربية” ضمن تقرير لها بعنوان “أبرز الاعتداءات التي تعرض لها المسجد الأقصى“. إذ جاء في التقرير أن يوم 1996/9/27 شهد “إسرائيل تقتحم مجمع الأقصى بعد فتح نفق تحت المسجد وتقتل ثلاثة من المصلين وتجرح أكثر من مئة فلسطيني”، وكأن إسرائيل هي التي أطلقت شرارة هذه المواجهات الدموية الخطيرة وليس الطرف الفلسطيني عقب فتح النفق الآنف الذكر (وبغض النظر عن النقاش الدائر في إسرائيل أيضًا حول صواب قرار فتح النفق من عدمه). كما أن التقرير نفسه يعيد استخدام مقولة “الهيكل المزعوم” بالإشارة إلى الهيكل (أم بالأحرى الهيكليْن الأول والثاني اللذين تفصل بينهما فترة قرون) اليهودي الذي كان مقامًا هناك في القِدَم.

وفي تقرير آخر لها استهدف إطلاع القراء على الحقائق الأساسية المتعلقة بالمسجد الأقصى، نوهت “سكاي نيوز عربية” باختصار إلى “حائط المبكى” المقدس لدى اليهود بقولها الآتي: “أما حائط البراق فيقع في الجزء الجنوبي الغربي من جدار المسجد، ويبلغ طوله حوالي 50 مترا وارتفاعه حوالي 20 مترا، وهو جزء من المسجد الأقصى، في حين يطلق عليه اليهود الآن حائط المبكى، حيث يزعمون بأنه الجزء المتبقي من الهيكل المزعوم.” وتدل هذه الصياغة بشكل واضح وضوح الشمس على أن “سكاي نيوز عربية” تنفي جملة وتفصيلاً الحقائق التاريخية بشأن وجود هيكل يهودي قديم حيث يوجد حاليًا الأقصى وتعتمد بالمطلق الرواية الإسلامية المسيَّسة (والمناقضة للأدبيات الإسلامية التاريخية أيضًا) التي تحاول محو أي صلة لليهود بالمكان المقدس لديهم.

وبالعودة مرة أخرى إلى التاريخ، ضمن تقرير لها بعنوان “ذكرى إحراق الأقصى.. إسرائيل مازالت تشعل النيران” ادعت “سكاي نيوز عربية” بأن المواطن الأسترالي مايكل روهان الذي حاول عام 1969 إشعال النار في المسجد الأقصى كان يهوديًا، بينما تؤكد الحقيقة التاريخية أنه كان مسيحيًا.

كما أن “سكاي نيوز عربية” درجت على تبني الصيغة المستخدمة في الإعلام الفلسطيني التي تصوّر زيارات اليهود للأقصى (الخاضعة بالمناسبة لقيود صارمة من حيث توقيتها ومراقبة تصرفات الزوار وحرمانهم من أداء الصلاة أثناء الزيارة) على أنها “اقتحامات” (تقرير الشبكة يوم 2 يونيو/حزيران 2019؛ وهناك أمثلة أخرى بهذا الخصوص، مثل تقرير الشبكة يوم 18 يونيو/حزيران 2017). كما أن زيارات مسؤولين إسرائيليين لباحات الأقصى توصف عادةً بـ”الاقتحام”، ومنها على سبيل المثال زيارة رئيس بلدية القدس نير بركات، ثم في تقرير آخر جاء بعنوان “إسرائيل تبيح لنوابها باقتحام الأقصى“.

خلاصة القول: إن الشواهد المقدمة أعلاه تدل بدليل قاطع على أن “سكاي نيوز عربية” تخون رسالتها الإعلامية المعلنة القائلة بالتغطية النزيهة والموضوعية لجميع القضايا والملفات، إذ يتبين بشكل لا يقبل التأويل أن الشبكة المذكورة تعتمد دون شرط أو قيد، تقريبًا، الدعاية الفلسطينية خاصة والعربية عامة التي تنكر أي صلة تاريخية لليهود بالحرم القدسي الشريف (“جبل الهيكل” وفق التسمية اليهودية) وتتهم إسرائيل بالسعي المتعمد للمساس بالحريات الدينية التي يتمتع بها المسلمون في الحرم حاليًا (مع العلم أنه يخضع لإدارة دائرة الأوقاف الإسلامية)، بالإضافة إلى تصوير أي زيارة لليهود لساحات الأقصى على أنها “اقتحام” له أو “انتهاك لحرمته”. إن تغطية إعلامية من هذا القبيل من شأنها تأجيج الخواطر وإذكاء مشاعر العداء والكراهية المحيطة بهذه البقعة الصغيرة والبالغة الحساسية.

أنظر تقرير مرصد الإعلام البريطاني التابع لمؤسسة (كاميرا) حول القضية ذاتها

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *