وسائل الإعلام الغربية الناطقة بالعربية تمنح الأردن إنجازًا مجانيًا باعترافها برعايته للمقدسات المسيحية في القدس.. أين الحقيقة؟

كنيسة القيامة أبرز المقدسات المسيحية في القدس

ثمة حالة من شبه الإجماع لدى وسائل الإعلام الغربية المحورية التي يهتمّ فريق “كاميرا العربية” بمتابعتها على أن المملكة الأردنية الهاشمية تتمتع حقًا بصفة رسمية في مدينة القدس على اعتبار أنها لا ترعى المقدسات الإسلامية فيها فحسب بل المقدسات المسيحية أيضًا.

وهناك بالتالي تقارير مختلفة صادرة عن وسائل الإعلام تلك، كثيرًا ما تستشهد بتصريحات لناطقين أردنيين رسميين يهتمون بطبيعة الحال بالترويج لهذا الموقف. ومن أحدث هذه التقارير ما نشره موقع France 24 (مقتبسًا حرفيًا من تقرير لوكالة الأنباء الفرنسية) يوم 2 من شهر يونيو/حزيران 2019 حول مواجهات دارت في باحات المسجد الأقصى، حيث تضمن التقرير الجملة الآتية: ” ودان الأردن الوصي على المواقع الدينية الإسلامية والمسيحية في القدس “الانتهاكات الإسرائيلية السافرة” في المسجد الأقصى، مشيرا الى أنه وجه مذكرة احتجاج الى الدولة العبرية لوقف “ممارساتها الاستفزازية”.

كما أن وكالة رويترز، في موقعها باللغة العربية، ساقت كلامًا مشابهًا، حيث تضمن تقريرها عن المواجهات نفسها اقتباسًا من تصريح وزير الأوقاف والشؤون والمقدسات الإسلامية في الحكومة الأردنية عبد الناصر أبو البصل، تلته الجملة التالية: “ويتولى الأردن الوصاية على الأماكن المقدسة الإسلامية والمسيحية في القدس بموجب اتفاق مع السلطة الفلسطينية.”

بدورها كانت شبكة “سكاي نيوز عربية” البريطانية- الإماراتية قد اعتمدت في موعد سابق (وتحديدًا في تقرير لها نشرته يوم 24 تشرين الأول/أكتوبر 2018 عن الخلافات بين بعض الطوائف المسيحية نفسها حول دير السلطان المحاذي لكنيسة القيامة في القدس) صيغة مماثلة قائلة: “يذكر أن الأوقاف الإسلامية والمسيحية في القدس هي تحت رعاية المملكة الأردنية الهاشمية وفق اتفاقية السلام بين إسرائيل والأردن”. وجدير بالذكر أن مرصد الإعلام البريطاني التابع لمؤسسة “كاميرا” كان قد لفت في تقرير سابق له (في نوفمبر/تشرين الثاني 2018) إلى الخطأ ذاته الذي ورد لدى شبكة “سكاي نيوز عربية”.

لم يكن التقارير المشار إليها إلا مثالاً لتوجه عارم في وسائل الإعلام المذكورة نحو وصف الأردن بالراعي أو الوصي المعترف به رسميًا للمقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس. أما الحقائق التاريخية فهي مختلفة. إذ كان الأردن قد حكم عمليًا شرقي القدس (وباقي مناطق الضفة الغربية) في الفترة ما بين 1948-1967، كما أنه ضم هذه المناطق إلى أراضي المملكة عام 1951 من دون اعتراف دولي بهذه الخطوة (عدا عن دولتيْن بريطانيا وباكستان). كما أن الأردن يتمتع، سواء بموجب اتفاقية السلام التي وقعها مع إسرائيل عام 1994 أو طبقًا لاتفاقية الدفاع عن القدس والمقدسات المبرمة بين العاهل الأردني عبد الله الثاني ورئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس عام 2013، بمنزلة الرعاية على المقدسات الإسلامية في القدس. ويجب الإشارة، في ذات السياق، إلى أن ارتباط الأردن بدور ما إزاء المقدسات الإسلامية في القدس له جذور تاريخية، كونه يعود إلى إقرار شفهي صادر عام 1924 عن المجلس الإسلامي الأعلى في فلسطين الانتداب البريطاني بدور إمارة شرق الأردن الهاشمية في حماية تلك المقدسات.

غير أن هذا الأمر لا يطال بأي حال من الأحوال المقدسات المسيحية في المدينة. إذ تخلو جميع الاتفاقيات الرسمية من أي إقرار رسمي بوجود رعاية أو وصاية أردنية على الأماكن المقدسة المسيحية في القدس. وتشكل الاتفاقية الأردنية الفلسطينية المذكورة أعلاه حالة استثنائية، غير أنها تتفادى أيضًا الخوض بأي تفاصيل بشأن حماية المقدسات المسيحية مكتفيةً (أنظر البند [د] من مقدمة الاتفاقية) بذكر اعتراف بطريركية الروم الأرثوذكس في القدس بالوصاية الأردنية (مع العلم أن طائفة الروم الأرثوذكس ليست إلا إحدى الطوائف المسيحية الغربية والشرقية ذات الشأن بالمقدسات المسيحية). ويبدو أن الموقف الأردني الرسمي من هذه المسألة يكتنفه بعض الغموض، إذ نجد على سبيل المثال في الموقع الإلكتروني الرسمي لإحياء ذكر العاهل الأردني الراحل الملك حسين بن طلال فقرة تتحدث عن إعلانه الشهير الصادر عام 1988 حول فك الارتباط بين الأردن والضفة الغربية “عدا عن رعاية المقدسات الإسلامية في القدس” (أي من دون ذكر المقدسات المسيحية).

على الرغم مما تقدم فإن السعي لمنح الأردن دور الرعاية على المقدسات المسيحية في القدس أيضًا صار في السنوات الأخيرة من ركائز السياسة الخارجية الأردنية، حيث آتت هذه المساعي ثمارها في البيان الختامي الصادر عن قمة زعماء الدول الأعضاء في منظمة التعاون الإسلامي في مايو/أيار 2018، حيث أقرّت صيغة البيان بالوصاية الأردنية على الأماكن الإسلامية والمسيحية المقدسة في القدس منوهةً إلى الاتفاقية السابق ذكرها المبرمة بين القيادتيْن الأردنية والفلسطينية.

غير أن أي بيانات كهذه لا تستطيع إضفاء صفة قانونية رسمية على ادّعاء الأردن بأنه يتمتع بدور الرعاية أو الوصاية على المقدسات المسيحية في القدس. وعليه نرى، تحريًا للدقة ومن دون إقحام نفسنا في الجدل السياسي حول أوضاع المقدسات الدينية في مدينة القدس، أنه يجب على وسائل الإعلام العربية الدولية، التي نهتمّ بمتابعتها، عدم ليّ عنق الحقيقة في هذه المسألة الحساسة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *