كيف شوّهت “بي بي سي العربية” صورة سياح إسرائيليين مسالمين قاموا برحلة عودة إلى جذورهم التونسية

قامت الصحافية الإسرائيلية المعروفة رينا مَتْسلِياح قبل بضعة أشهر برحلة عودة إلى جذورها التونسية وثقتها في تقرير مصوَّر تم بثه على شاشة القناة 12 المتلفزة (الأكثر شعبية في إسرائيل). وأثناء ركوبها الحافلة برفقة مجموعة من السياح (معظمهم من اليهود الإسرائيليين المنحدرين من أصول تونسية) التقطت الصحافية متسلياح بعدسات كاميرتها صورة لسيدة إسرائيلية أطلقت الدعوة العفوية التالية بلغة تختلط فيها العبرية باللهجة العربية التونسية: “بارك الله تعالى جنود إسرائيل.. ليته ألقى الضوء علينا، على إسرائيل وتونس، تحيا إسرائيل وتحيا تونس!”.

وكانت المجموعة السياحية تلك تقصد كنيس الغريبة، وهو من أقدم الكُنس على نطاق المعمورة جمعاء، الكائن في جزيرة جربة التونسية، حيث اعتاد اليهود منذ عقود إقامة احتفال سنوي فيه. وكان احتفال العام الحالي الأكبر من نوعه من حيث عدد زواره منذ وقوع “ثورة الياسمين” في تونس عام 2011. كما أن المجموعة ارتادت خلال رحلتها السياحية عدة مدن تونسية كانت منازل ومحلات الجالية اليهودية التونسية تقع فيها. وأظهرت صورة واحدة تم التقاطها خلال التقرير العمارة الواقعة على الشاطئ التونسي في ضاحية سيدي بو سعيد قرب العاصمة حيث كانت وحدة كوماندوز إسرائيلية قد اغتالت عام 1988 الرجل الثاني في منظمة التحرير الفلسطينية خليل الوزير (أبو جهاد) الذي كان المسؤول المباشر عن سلسلة طويلة من الاعتداءات الإرهابية التي طالت حياة عشرات المدنيين الإسرائيليين على مر السنين.

وفجرت مشاهد السياح الإسرائيليين الذين كالوا المديح لبلادهم وجنودها على الأرض التونسية، ثم شاهدوا موقع اغتيال خليل الوزير، موجة من الاحتجاجات في تونس. وبثت قناة الميادين اللبنانية المقربة من حزب الله التقرير المذكور مرفقًا بالترجمة إلى العربية، في الوقت الذي جرت عدة تظاهرات واعتصامات قبالة مقرات حكومية في تونس العاصمة تنديدًا بمظاهر التطبيع مع “الكيان الصهيوني”. وطالب المتظاهرون بصفة خاصة بإقصاء وزير السياحة التونسي رينيه الطرابلسي وهو أول مواطن يهودي يتقلد منصبًا وزاريًا في تونس على امتداد تاريخها المعاصر، مع العلم أن مجموع عدد أفراد الجالية اليهودية التونسية لا يتجاوز حاليًا 2500 شخص. وجدير بالذكر أن الطرابلسي حضر الاحتفال السنوي المذكور في كنيس الغريبة إلا أنه رفض الإدلاء بحديث للصحافية الإسرائيلية متسلياح.

وقامت قنوات عربية مختلفة بتغطية هذه الوقائع ومنها بعض القنوات التابعة لمؤسسات إعلامية غربية التي يهتمّ فريق (كاميرا العربية) بمتابعة أدائها. ولاحظ فريقنا أن بعض وسائل الإعلام المذكورة لم يلتزم بقواعد تحري دقة المعلومات التي أوردتها بل استنسخت حرفيًا ادعاءات المحتجّين في تونس ضد التطبيع مع إسرائيل.

ومن أبرز الأمثلة على هذا النهج غير المهني البرنامج التلفزيوني الذي أنتجته هيئة الإذاعة البريطانية (BBC) باللغة العربية. إذ أورد البرنامج، بصورة متحيزة واضحة المعالم، التعليقات الغاضبة لبعض المواطنين التونسيين الذين اعتبروا زيارات السياح الإسرائيليين لبلادهم خطوة عسكرية.

تحتوي هذه الصورة على سمة alt فارغة; اسم الملف هو bbc-arabic-tunisia-filmed-1.png



وأورد البرنامج في هذا السياق تعليق شخص يدعى أبو إسكندر جاء فيه التالي: “لو الكلام صحيح يكون خليل الوزير أبو جهاد قد استشهد مرتين الأولى عندما اغتالته إسرائيل عام 1988 والثانية عندما زار قتلته البيت الذي استشهد فيه في تونس“.. وهنا نتساءل: هل بالفعل يحتاج موقف كهذا إلى تعليق؟ هل، على سبيل المثال (وليس من باب الاستفزاز بل سعيًا لعقد مقارنة محتملة)، يمكن اتهام سائح بريطاني يزور الهند أو إحدى المستعمرات البريطانية السابقة الأخرى بأنه “قاتل” ومسؤول عن جرائم إنسانية كان الاستعمار البريطاني قد ارتكبها في حينه؟

كما أورد تقرير بي بي سي العربية موقفًا آخر مفاده أن المشكلة تنحصر في “الصهاينة” القاطنين في فلسطين المحتلة، على اعتبار أن جميعهم جنود سواء من يؤدي خدمتهالعسكرية أو من ينتمي إلى قوات الاحتياط، وبالتالي لا يمكن النظر إليهم كسياح واعتبارهم من ذوي الأصول التونسية.

واقتبس البرنامج المذكور أيضًا من تعليق الصحافي التونسي حبيب بو عجيلة الذي أصرّ على أنه لا جديد في دخول “الصهاينة” الأراضي التونسية. على الصعيد ذاته تناول تقرير بي بي سي أونلاين دعوة الصحافي بو عجيلة إلى إقالة وزير السياحة التونسي الطرابلسي بدعوى “حماية الكرامة الوطنية التونسية”.

ويشار إلى أن التعليق الكامل للصحافي التونسي بو عجيلة على الموضوع قد تم دمجه من دون أي ملاحظة في موقع بي بي سي العربية رغم ما يحتوي عليه من تلميحات وتعميمات معادية لليهود. واعتبر بو عجيلة القضية مستوى جديدًا من المؤامرة التي تستهدف الشعب التونسي تضطلع بها جهات يهودية من دول عديدة بالإضافة إلى وزير السياحة التونسي اليهودي الأصل. ودعا تعليق بو عجيلة بالموت لإسرائيل وأميركا:

مرة اخرى و دائما و حاضرا و ماضيا و قادما …نقول لروني [الطرابلسي] و لمسؤول روني و لمن يحب روني و ينافق روني و مسؤول روني و يريد التموقع تونسيا بفضل اصحاب روني و اصحاب اصحاب اصحاب روني في عالم عربي و مشهد دولي زائل …نقول …تونس عربية …روحها مقاومة رغم التراجعات و الانكسارات ….مكانها في حضن امتها …بوصلتها فلسطين …و صوتها صادح صارخ : الموت لاسرائيل ..الموت لامريكا …و المجد للمقاومة .. و الي ما عجبوش يشرب من ماء “حلق الواد” و يعرض نفسه مجرد “عصفور سطح” و بياع بوخا أو فداوي قصص نمطية منافقة في نوستالجيا الطحين الصهيوماسوني بين الغريبة و كاتدرائية باب بحر .. نحن لا نشتري الموقع في وطننا بخيانته و مجاملة بائعيه …

نشير ختامًا إلى أن الاحتجاجات في تونس على زيارة مجموعة السياح الإسرائيليين قد خفتت بعد أن أوضحت الحكومة التونسية أن أيًا من هؤلاء السياح لم يدخل أراضيها بجواز سفر إسرائيلي. أما الوزير الطرابلسي فنفى مرارًا وتكرارًا أن تأتي الزيارات السياحية للإسرائيليين تحت مسمى “التطبيع”. كما أنه استنكر بشدة في إحدى المقابلات التي أجريت معه السياح الإسرائيليين لإقدامهم على مدح الجيش الإسرائيلي على التراب التونسي. وهكذا يبدو أن الوزير الطرابلسي اضطُر أيضًا، في ظل الضغوط الشديدة التي مورست عليه، إلى النأي بنفسه عن وابل الرصاص الإعلامي الموجَّه إليه.

غير أن السؤال الذي ما زال عالقًا، حرصًا على نزاهة التغطية الإعلامية، ما هو إلا كالآتي: هل تستطيع وسائل الإعلام العربية، ولو بشقّها التابع لمؤسسات إعلامية غربية عريقة، تفادي التغطية المتحيزة الرافضة لجميع أشكال التطبيع مع إسرائيل، حقيقية كانت أم شكلية؟ وهل يمكنها التطرق بإنصاف إلى مواقف القلة القليلة من الجاليات اليهودية المتبقية في بعض الدول العربية من دون التشكيك في براءتها وبما يخلو من الاتهام، المتّسق مع افتراءات لاسامية معهودة، بأن هؤلاء اليهود يدينون حتمًا بالولاء المزدوج لبلدانهم ولدولة إسرائيل في آن واحد؟


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *