إقتحامات مستوطنين وطقوس تلمودية: ملاحظات حول تغطية الإعلام الغربي بالعربية للعلاقة بين اليهود والحرم القدسي الشريف

كان فريق (كاميرا) باللغة الإنجليزية قد أشار في تقرير صدر الشهر الماضي إلى ملاحظات هامشية خاطئة وردت على موقع وكالة رويترز الدولية للأنباء، حيث جرى وصف اليهود الذين يزورون الحرم القدسي الشريف (“جبل الهيكل” بالترجمة الحرفية من العبرية) بأنهم “متعبّدون” (worshippers بالإنجليزية)، وذلك على الرغم من أن اليهود محرومون على الإطلاق، بموجب النظام الأمني السائر حاليًا في ساحات المسجد الأقصى، من أداء الصلاة في أقدس مكان لهم.

غير أن عرضًا قام فريق (كاميرا العربية) بإعداده مؤخرًا كشف بالفعل أن تغطية قضية زيارات اليهود للحرم القدسي الشريف تشوبها صياغات خاطئة أخرى تتبنى بصورة كاملة أو جزئية الرواية العربية الفلسطينية بعيدًا عن النزاهة والموضوعية.

ومن أبرز الأخطاء المتكررة في هذا السياق تسمية مجموعات اليهود التي ترتاد، وسط قيود أمنية مشددة، ساحات المسجد الأقصى بأنهم “مستوطنون” أو “متشددون”. وهكذا، على سبيل المثال جاء في أحد العناوين الفرعية لتقرير أورده موقع France 24 باللغة العربية يوم 11 أغسطس/آب 2019 ما يلي: “مستوطنون يدخلون باحات الأقصى تزامنا مع صلاة العيد [عيد الأضحى الذي صادف ذلك الموعد]”

واعتمدت قناة الحرّة الأميركية العامة صياغة مماثلة حيث أفادت (في نفس التاريخ المشار إليه) بأن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو قرر عدم السماح “للمستوطنين” بـ”اقتحام” المسجد الأقصى، مع العلم أن المفردة “اقتحام” تتكرر يوميًا في الإعلام الفلسطيني لوصف زيارات اليهود العادية لساحات الأقصى التي تخضع، كما سبق ذكره، لضوابط أمنية صارمة.

بدورها اعتمدت هيئة الإذاعة البريطانية (بي.بي.سي) في موقعها الإلكتروني باللغة العربية مصطلح “جماعات يهودية متطرفة” لوصف اليهود الذين رغبوا في دخول “جبل الهيكل” (باحات الأقصى) في سياق تقريرها عن الاشتباكات التي وقعت هناك في التاريخ المذكور أعلاه (11 أغسطس/آب 2019).

ولم تكن CNN العربية أفضل من سابقتاتها حيث عنونت أحد تقاريرها (يوم 4 أغسطس/آب 2019) بما يلي: “عشرات المستوطنين يقتحمون المسجد الأقصى وسط حراسة من الجيش الإسرائيلي“. أما إنبدندنت العربية فاختارت الآتي “وزير إسرائيلي يقتحم الأقصى بغطاء أمني على رأس مستوطنين” عنوانًا لتقرير لها (يوم 3 أغسطس/آب 2019).

ولم تتجنب وكالة رويترز الدولية للأنباء أيضًا السير على هذا الطريق رغم عثراته الإعلامية الواضحة، حيث جاء في عنوان أحد تقاريرها (يوم 2 أغسطس/آب 2019): “زيارة يهود متطرفين تثير غضب الفلسطينيين في ساحات المسجد الأقصى“.

عدا عن تكرار مصطلحات غير منصفة تطلق على أي يهودي (خاصة من المتدينين) يرغب في زيارة باحات المسجد الأقصى اسم “متطرّف” وتتّهمه تلقائيًا بـ”اقتحام الأقصى” وكأنه يرتكب جريمة، فإن الإعلام الغربي الناطق بالعربية تبنى أيضًا، ولو في بعض الأحيان، مصطلحًا آخر قد يكون أكثر خطورة نظرًا لما ينمّ عنه من إيحاءات معادية لليهود عامة وليس لإسرائيل فحسب، ألا وهو مصطلح “الطقوس التلمودية” بالإشارة إلى ما يريد الزوار اليهود الراغبين بدخول الحرم القدسي الشريف القيام به. وتجدر الإشارة إلى أن بعض الزوار اليهود معنيون بالفعل بأداء الصلاة في هذا الموقع المقدَّس لديهم، غير أن الأنظمة المفروضة حاليًا من قبل دائرة الأوقاف الإسلامية (التي تتولى الإشراف على الأقصى وساحاته) والشرطة الإسرائيلية تمنع ذلك منعًا باتًا.

ومن الأمثلة الدالة على تكرار استخدام مصطلح “الطقوس التلمودية” تقرير سكاي نيوز عربية (يوم 15 أغسطس/آب 2019) بعنوان “مستوطنون إسرائيليون يقتحمون المسجد الأقصى“، وتقرير لـCNN العربية (يوم 4 أغسطس/آب 2019) الذي تضمن، بالمناسبة، صياغات أخرى أحادية الجانب من قبيل “المستوطنين نفذوا جولات استفزازية في المسجد واستمعوا إلى شروحات حول أسطورة الهيكل المزعوم” (نرجو التأكيد على أن الاقتباس الحرفي مما أوردته وكالة الأنباء الفلسطينية الرسمية “وفا” خلال تقرير CNN لا يعفي القناة الأميركية من المسؤولية عن تكرار خطاب مبتذل ومتحيّز كهذا ولو من باب “البعرة تدلّ على البعير”..). واستخدمت”إندبندنت العربية” هي الأخرى الصياغة ذاتها في تقريرها المذكور أعلاه.

ختامًا، نرجو لفت النظر إلى مصطلح “الهيكل المزعوم” الذي ورد، كما سلف، في تقرير CNN العربية وكذلك في تقرير آخر لإندبندنت العربية (يوم 16 أغسطس/آب 2019) بعنوان “إسرائيل “تحاصر” الوصاية الأردنية على المسجد الأقصى؟“، فضلاً عن وروده صوتيًا في مناسبتيْن على الأقل (يوميْ 11 و 14 من أغسطس/آب 2019) على لسان مراسل سكاي نيوز عربية. إن هذا المصطلح، كما سبق لنا الإشارة إليها في بعض تقاريرنا السابقة، إنما يدل على الجهل الحقيقي بالتاريخ والانحياز التام للرواية الفلسطينية- العربية التي تشكك أصلاً في وجود أي صلة تربط اليهود بوطنهم التاريخي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *