المنطلقات العقائدية حين تغلب على الموضوعية الصحفية.. نظرة أخرى في تقرير “إندبندنت عربية” عن اللغة العبرية

كان فريق “كاميرا العربية” قد خصص منشورًا سابقًا مفصلاً للتقرير الذي سبق لموقع “إندبندنت عربية” أن نشره يوم 20 ديسمبر/كانون الأول 2019 تحت عنوان “بين العبرية والعربية… جذور وتشابهات… ولكن . وتطرق منشورنا بإسهاب إلى بعض المغالطات ونقاط الخلل المعرفي الأساسية التي اشتمل عليها ذلك التقرير الذي جاء بقلم مراسل “إندبندنت عربية” في غزة عز الدين أبو عيشة مستندًا إلى بعض “الخبراء” الفلسطينيين الذين يدّعون الإلمام باللغة العبرية فيما أظهرت ملاحظاتنا بطلان هذا الادعاء.

غير أن التقرير المذكور ليس إلا مثالاً على ظاهرة أوسع نطاقًا قائمة في المؤلفات العربية بمعنى تأثير التوجهات العقائدية على كيفية تناول القضايا الخاصة باليهود وبإسرائيل بصورة بعيدة عن المهنية والموضوعية. ونرجو في هذا السياق التطرق باختصار إلى أحد أبرز الكتّاب العرب وهو الباحث المصري الراحل عبد الوهاب المسيري (1938-2008) صاحب “موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية” وغيرها من المؤلفات الكثيرة الخاصة بتاريخ وأفكار اليهود والحركة الصهيونية.

وقد أبدى المسيري في مواقع عديدة من كتاباته معارضته الشديدة لدولة إسرائيل رافضًا أي علاقة بين الحركة الصهيونية والتاريخ اليهودي بمجمله. وفي حديث لوكالة رويترز قبيل وفاته، وتزامنًا مع إحياء إسرائيل الذكرى الـ60 لتأسيسها عام 2008، صاغ المسيري رؤيته بالكلمات الآتية: “.. الطبيعة الوظيفية لاسرائيل تعني أن القوى الاستعمارية اصطنعتها وأنشأتها للقيام بوظائف ومهام تترفع عن القيام بها مباشرة.. هي مشروع استعماري لا علاقة له باليهودية“، ثم أردف قائلاً: “تاريخ الحركة الصهيونية ليس جزءا من تاريخ يهودي عالمي وهمي، ولا جزءا من التوراة والتلمود، بل هو جزء من تاريخ الإمبريالية الغربية “.

وينمّ هذا الموقف عن رفض المسيري (وغيره كثيرون) الاعتراف بالحركة الصهيونية وبدولة إسرائيل بصفة فصول شرعية من التاريخ اليهودي الحديث. ومن هذا المنطلق يسهل فهم الموقف المعادي من اللغة العبرية المعاصرة، كما تجلّى في تقرير “إندبندنت عربية” المذكور أعلاه، باعتبارها لغة مصطنعة عديمة الجذور التاريخية. ويشار إلى أن هذا التقرير بدأ بالجملة الآتية التي تدل بدليل قاطع على الطابع “التآمري” التي ينسبه المراسل أبو عيشة للغة العبرية:

قبل حوالى 150 سنة، قرّرت قيادة الحركة الصهيونية تجميع يهود العالم في بلدٍ قومي لهم، وكانت أوّل خطوة اتخذتها آنذاك ابتكار لغة يتحدثون بها، وحينها بدأوا بإحياء العبرية كلسانٍ موحد لليهود، استعداداً لقيام دولتهم.

ما أبعد هذه الصياغة عن الكتابة الصحفية المهنية! وما أبعدها أيضًا عن وقائع التاريخ التي أسهمت تدريجيًا، وعبر تطورات ومراحل مختلفة، في نهضة اللغة العبرية الحديثة اعتبارًا من منتصف القرن الـ19. مهما قيل عن هذا التاريخ، فإنه من البديهي رفض أي تصور ينطلق من الفرضية الخاطئة بأن دعاة الصهيونية قد وضعوا ودبّروا خطة محكمة للاستنهاض باللغة العبرية تحقيقًا لأطماعهم السياسية.

غير أن تقرير “إندبندنت عربية” يمضي في صياغة الكثير من المفاهيم الخاطئة عن اللغة العبرية ومنها مثلاً:

یشير عوض إلى أنّ عمرها لا يتجاوز 150 سنة، ووُلدت بقرار من الحركة الصهيونية، وهي عبارة عن مزيج بين اللغة العربية واللغات المنتشرة في أوروبا..

وعن التشابه بين اللغتين [العبرية والعربية].. فإنّ المراقبين يقولون إنّ كبار اليهود قرروا صناعة لغة قريبة من العربية، ليتمكنوا من اختراق العرب، كونهم كانوا ينوون إقامة دولتهم في وسط الدول العربية. (…) ينفي عوض ذلك، مبرراً أنّ اليهود يعتبرون أنفسهم طبقة مميزة عن العرب، وجاء اختراع اللغة فقط لتجميع اليهود تحت لسانٍ واحد، والتميز عن الإقليم العربي..

هذه الفقرات مليئة بالمغالطات وتسودها نظرة “تآمرية” تنميطية بالنسبة للغة العبرية. أما منبعها فيعود، برأينا، إلى عجز “الخبراء” الذين تمت مقابلتهم في تقرير “إندبندنت عربية” عن تحليل نهضة العبرية تحليلاً موضوعيًا قائمًا بذاته وإصرارهم على تحجيمها وحصرها في دائرة موازية تمامًا للصهيونية.

وإذا خُضنا، بإيجاز شديد، غمار التاريخ، فإن حركة التنوير اليهودي التي تولّدت عنها العبرية الحديثة لم تكن ترغب أصلاً في تجميع اليهود في دولة خاصة بهم، بل كان هدفها عكسيًا متمثلاً بدمج اليهود في المجتمعات الأوروبية (ما جعل العديد من دعاة التنوير إلى رفض الأفكار الصهيونية رفضًا باتًا). كما أن عددًا من الشخصيات الصهيونية نفسها، في مرحلة لاحقة، اعتبروا أن النهضة اللغوية والثقافية العبرية يجب أن تكون في صدارة الاهتمامات الصهيونية ولو على حساب السعي لإقامة دولة لليهود!

غير أن الخطأ الأكثر جسامة في تقرير “إندبندنت عربية” يعود إلى رفضه الحقيقة الساطعة، التي يعرفها كل من يملك ولو القليل من المعلومات عن اللغة العبرية، ومفادها أن هناك علاقة عضوية وأصيلة بين العبرية الحديثة ولغة كتب التوراة والكتابات اليهودية القديمة. بطبيعة الحال لا يعني ذلك إنكار حقيقة التحولات والتغييرات الكبيرة التي مرت بها العبرية طيلة تاريخها الطويل الممتد لآلاف السنين، شأنها شأن أي لغة أخرى ومنها بالطبع العربية! وعليه، فإذا استند التقرير إلى تأكيدات “خبراء” على أن “اللغة العبرية المنتشرة اليوم بين اليهود، ليست هي ذاتها العبرية القديمة المستعملة في المعابد الدينية الخاصة بهم..“، فلم يبق لدينا إلا التساؤل عما إذا كانت لغة القرآن الكريم (الذي نزل “بلسان عربي مبين”) تتشابه تمامًا مع اللغة العربية العصرية؟!

أما حديث “الخبراء” الفلسطينيين المذكورين في تقرير “إندبندنت عربية” عن المقاصد السياسية الصهيونية وراء التشابه الماثل للعيان بين العبرية والعربية، فإنه لا يعدو كونه سُخفًا وهراء! ذلك لأن العلاقة بين اللغتيْن قديمة للغاية ومتشابكة وحافلة بالاستعارات المتبادلة للمفردات والمصطلحات والتعابير! ويكفي الإشارة إلى أن العبرية مدينة للعربية بكثير من المصطلحات العلمية والفلسفية العائدة إلى القرون الوسطى، أو إلى سعي بعض رواد إحياء العبرية المعاصرة (وعلى رأسهم “مجدّد العبرية” إليعيزير بن يهودا) عمدًا للاقتباس من العربية والاستفادة منها ضمن جهودهم لوضع قاموس عبري شامل. ولم يكن هذا الأمر مرتبطًا بأي حال بدوافع سياسية صهيونية بل كان نتيجة طبيعية لتقارب اللغتيْن أصلاً.

خلاصة القول: إن تقرير “إندبندنت عربية” نتاج لموقف عقائدي يرفض الإقرار بشرعية وجود تاريخ طويل ومتشعب للغة العبرية كظاهرة لسانية مميزة كان منبعها ضمن سلالة اللغات السامية في المشرق القديم. ولم تأتِ محاولة التقرير تصوير العبرية على أنها ظاهرة حديثة مقطوعة الجذور ومرتبطة بالحركة الصهيونية وحدها إلا من باب السعي للادعاء بأن هذه الحركة أيضًا لا تمت بصلة للتاريخ اليهودي (كما جاء بما استشهدنا به من أقوال عبد الوهاب المسيري) مما يجعلها صنيعة الاستعمار والإمبريالية لا غير. وبالتالي، بالعودة إلى منطلق هذا المنشور، فإن تقرير “إندبندنت عربية” ليس ضربًا من الجهل فحسب بل يمثل أيضًا حالة نموذجية من تغليب العقيدة على التناول الصحفي الموضوعي لقضايا إسرائيل واليهود، وهو ما نرصده للأسف كثيرًا حتى في أعرق وسائل الإعلام العربية.

أنظر التقرير المنشور أصلاً بالإنجلزية على موقع “CAMERA UK” التابع لمؤسسة “كاميرا”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *