الإعلام العربي ورؤيته المغلوطة لعاصمة إسرائيل

لقد دئب الإعلام العربي على مر العقود على إعتبار مدينة تل أبيب عاصمةً لإسرائيل، الشيء الذي يُعد مثيراً للدهشة في حد ذاته حيث أن تحديد عواصم الدول يعود إلى ذات الدول وليس إلى وسائل الإعلام… ولكن من المؤسف أن تقع حتى وسائل الإعلام الغربية الناطقة بالعربية في الفخ نفسه. ومن الجدير بالذكر أن النسخ العربية لتلك وسائل الإعلام قد تفوقت على نظيراتها الناطقة بالإنجليزية كماً وكيفاً، لتصل أحياناً إلى ما هو مثير للسخرية، كالعنوان التالي: “تل أبيب تعتبر القدس كلها عاصمةً لها”!

ولقد عملت منظمة “كاميرا” في السنوات الأخيرة على تصحيح ذلك الخطأ الشائع في وسائل إعلام دول عديدة – مثل فرنسا، الهند، الولايات المتحدة، بريطانيا، وبل حتى إسرائيل – قد إعتادت على إستخدام إسم “تل أبيب” في إشارتها إلى الحكومة إسرائيلية؛ وذلك على غرار التقليد الإعلامي المعهود الذي يستخدم إسم العاصمة للإشارة إلى حكومة البلد. ولقد كانت جريدة “نيوزويك” الأمريكية أخر من إنضم إلى قائمة وسائل الإعلام التي قبلت الإنصياع إلى تصحيحات “كاميرا”. وفي بداية شهر يوليو/تموز، إستطاع فريق “كاميرا عربية” تصحيح أربع تقارير لقناتي “سي إن إن عربية” و”الحرة” الأمريكيتين.

بالرغم من وقوع الخطأ في تلك التقارير الأربعة المشار إليهما، إلا أنها لا تُعد نماذجاً صارخةً إذا ما قارناها بما هو أفدح. حيث أنه خلال الثمانية عشر شهراً التي تفصل بين يناير/كانون الثاني 2019 ويوليو/تموز 2020، رصدت “كاميرا عربية” إستخدام إسم “تل أبيب” للإشارة إلى السلطات أو إلى القيادات الإسرائيلية أكثر من 400 مرة في تسع وسائل إعلام غربية ناطقة بالعربية (أنظر إلى الصورة الواقعة على اليسار). أربعةً وخمسين مرة من بينهما كانت على يد صحفية واحدة وهي أمال شحادة، مراسلة “اندبندنت عربية” في إسرائيل، وهي مواطنة إسرائيلية كان قد سبق لها تقلد مقعد عضوية مجلس بلدية الناصرة عن حزب “الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة” الممثل في الكنيست.

الإشكالية تأخذ منحاً غريباً وبل مثيراً للسخرية في الإعلام العربي حينما تكون الإشارة إلى إسرائيل من خلال إسم “تل أبيب”. فمثلاً، إن مقالاً صادراً عن “اندبندنت عربية” في شهر أكتوبر/تشرين الأول 2019 عَرَّف النشيد الوطني الإسرائيلي (“هاتيكفا”، أي: الأمل) بنشيد تل أبيب! ومقالاً آخر يتحدث عن المساجين الفلسطينيين في إسرائيل على النحو التالي: “الفلسطينيين المسجونين في تل أبيب”، الشيء الذي يوحي وكأن السجون واقعة في مدينة تل أبيب ذاتها. ولعل النموذج الأكثر غرابةً هو الصادر عن “اندبندنت عربية” في شهر إبريل/نيسان الماضي والذي قد نقل خبراً عن وكالة “فرانس برس” الفرنسية. فلقد إكتفت “اندبندنت عربية” بنقل الخبر كما هو، ولكن بعد إستبدال “إسرائيل” بكلمة “تل أبيب”، ليتحول الخبر إلى ما يلي: “تل أبيب تعتبر القدس عاصمةً لها.” كما أصدرت “سي إن إن عربية” تقريراً مشابهاً يحمل العبارة التالية: “لقد حصلت تل أبيب على إعترافاً أمريكياً بالقدس عاصمةً لإسرائيل.”

كما لاحظ الباحث في الفريق البريطاني لمنظمة “كاميرا” آدم ليفيك، بأن الصحفيين الناطقين بالإنجليزية الذين يقعون في الخطأ ينقسمون إلى شقين: شق يجهل حقيقةً وجود الحكومة الإسرائيلية في القدس وشق أخر صاحب مصلحة يعمل من خلال أجندة سياسية موالية للطرف الفلسطيني. والنماذج التي تمت الإشارة إليها تدل وبوضوح على إنتماء أولئك الصحفيين إلى الشق الثاني، حيث أنه لم يكن في السياق ما يدعو إلى الحديث عن عاصمة إسرائيل، وإنما جاءت الإشارة عن قصد.

وفي بعض الأحيان يبدو إستخدام “تل أبيب” وكأنه مُجرد حجة مصطنعة لغرض إخفاء أي علاقة بين إسرائيل والقدس. فعلى سبيل المثال وليس الحصر، عَرَّف الصحفي في “بي بي سي” علي هاشم إجتماعاً كان قد أجري في مدينة القدس في شهر يونيو/حزيران 2019 بين مسؤولي الأمن القومي الإسرائيليين، الأمريكيين والروس بقوله: “إجتماع قمة تل أبيب”! وكذلك فقد وصفت “فرانس 24 عربية” سفير الولايات المتحدة في إسرائيل ديفيد فريدمان بكونه “السفير الأمريكي في تل أبيب”، على غرار “يورو نيوز” (يونيو/حزيران 2019) و”اندبندنت عربية” (خمس مرات بين يونيو/حزيران 2019 ويونيو/حزيران 2020).

نظراً لهذه الحالة المستعصية فإن كل تصحيح في هذا الصدد يُعد نجاحاً قيماً.

في تعليق صورة كانت قد نشرتها “سي أن أن عربية” في الثامن والعشرين من يونيو/حزيران 2020، كُتب ما يلي: “إسرائيليون يرتدون أقنعة طبية واقية بعد تفشي فيروس كورونا بالقرب من العاصمة تل أبيب.” وبعد تدخل فريق “كاميرا عربية”، صححت “سي أن أن عربية” الخطأ لتكتب مجدداً: “في بني براك، شرق تل أبيب”. كما كتب محرر المقال مشكوراً: “تم تعديل تعليق الصورة لتوضيح أنها في مدينة بني براك شرق تل أبيب.”

وكذلك، وبفضل تدخل فريق “كاميرا عربية”، صححت قناة الحرة ثلاثة أخطاء كانت قد وردت في مقالات مختلفة خلال شهر يوليو/تموز 2020، حيث إستخدمت إسم “تل أبيب” للإشارة إلى إسرائيل (“فرضيات جديد بشأن انفجار منشأة نطنز النووية.. هل تم استهدافها بقنبلة من الداخل؟“). ومن ثم، تم إستبدال “تل أبيب” بكلمة “إسرائيل” وعبارة “بين عمان وتل أبيب” إلى “بين الأردن وإسرائيل”.

أنظر إلى التقرير الصادر عن الموضوع باللغة الإنجليزية في موقع (كاميرا)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *