الطفولة المطاطة في الإعلام العربي

تتابع وسائل باللغة العربية، ضمن تغطيتها الإخبارية المتواصلة، الأخبار المتعلقة بضلوع الأطفال في حوادث وقصص تقع في مختلف انحاء العالم خاصة في مناطق النزاع. غير أن المتابع لوسائل الاعلام الناطقة بالعربية يرى أن استخدام عبارة “طفل” أصبح شائعًا في الاخبار والتقارير المختلفة الأمر الذي يحتاج وقفة متأنية مع هذه الظاهرة والولوج في تعريف الطفل ومفهومه وما يصفه من مرحلةَ زمنيّة من عمر الإنسان.

فكما تعودنا في دراسة العبارات والمصطلحات فلنبدأ بالمعنى اللغوي. إذ يقول المعجم الوسيط: [الطِّفْلُ]: لغة طِفلٌ بِكسرِ الطاءِ وتسكينُ الفاء، كلمة مفرد جمعها أطفال، وهي الجزء من الشيء والطفل هو الموْلُودُ ما دامَ نَاعِمًا رَخْصًا. وفي التنزيل العزيز: {ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلا}[الحج: 5]. والولدُ حتى البُلُوغ وهو للمفرد المذكر، وفي التنزيل العزيز: {أو الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ َيظْهَرُوا عَلَى عَوْراتِ النِّسَاءِ}[النور: 31]. وعليه فإن “الطفل” يشير اصطلاحًا إلى ولد صغير يتراوح عمره بين الولادة والبلوغ، أو بعبارة أخرى فإنه ينطبق على المرحلة العمريّة الأولى من حياة الإنسانِ حتى سن البلوغ.

يجب الاعتراف بأن “الطفل” غير محدد بمدى زمني ثابت، كما أن تداوله على ألسنة الناس يختلف باختلاف الظروف والمقاصد. لكن الشائع، كما يؤكد معظم خبراء علم النفس والاجتماع، هو تحديد فترة الطفولة بسن المراهقة الذي يبدأ عادةً عند بلوغ الطفل 13 عامًا ويوافق أهليته للمثول أمام القضاء (وإن بصفة “قاصر”) حسب قوانين أغلبية دول العالم التي تعتبره قادرًا على تحمّل تبعات أعماله وسلوكياته. كما أن اللغة العربية نفسها، بثرائها الهائل، لم تتوانَ قط في وضع مفردات تشير إلى تلك الفئة العمرية التي تتوسط بين الطفولة والبلوغ متمثلة بالصبي والفتى والناشئ والشاب وغيرها.

أما في الاعلام الناطق باللغة العربية فقد شاهدنا ظاهرة تتمثل في توسيع لهذا التعريف المذكور آنفًا ليشمل أيضًا القاصرين المتراوحة أعمارهم بالتحديد ما بين 13 و 18 عامًا، حيث يجري في كثير من الأحيان وصفهم بـ”أطفال”. قد تتعدد الأسباب الكامنة وراء شيوع هذه الظاهرة في الإعلام العربي ولا يتّسع المجال هنا لحصرها، لكنها تدلّ بالمجمل على توجه نحو فقدان الموضوعية في سرد الحقائق ونقل المعلومات وإعفاء هؤلاء “الأطفال” من مسؤولياتهم عن أي تجاوزات أو ممارسات غير أخلاقية بل وإجرامية.

في السياق الإسرائيلي الفلسطيني الذي يعنينا بشكل خاص، يمكن الإشارة إلى حالات لا حصر لها، وتأتي على الأرجح بدافع التوظيف السياسي، من استخدام المفردة “طفل” للتعميم على أي شاب فلسطيني تم اعتقاله أو التعامل معه أمنيًا لضلوعه في ممارسات مخالفة للقانون.

عهد تميمي (17 عامًا).. هل ما زالت طفلة؟

 

وأفضل مثال على ذلك نراه في التقارير المتلاحقة الصادرة منذ أسابيع عن قضية اعتقال ومحاكمة الشابة الفلسطينية عهد التميمي التي تبلغ من العمر 17 عامًا بعد حادثة اعتدائها شتمًا وضربًا على اثنين من جنود الجيش الإسرائيلي في قرية النبي صالح قرب مدينة رام الله بالضفة الغربية. إذ سارعت وسائل الاعلام العربية بمختلف ألوانها إلى وصفها بانها “طفلة” رغم تجاوزها الواضح للعيان لهذه المرحلة العمرية. أما الإعلام الغربي فقد تحدث عن الشابة التميمي بانها “Teenager” أي “مراهقة”. فلماذا، يا ترى، لم تتمكن وسائل الاعلام العربية من توخي الدقة في هذا الموضوع؟ هل نسيت ام تناست معنى الكلمة بالعربية؟ هل يحدّ ذلك من وقع أعمال عهد التميمي؟ إنها جميعًا أسئلة تستحق الردّ الجديّ بغض النظر عن الموقف من محاكمتها التي ما زالت جارية.

بالتالي ندعو وسائل الإعلام العربية إلى إعادة النظر في تعاملها مع مفهوم الطفولة بعيدًا عن أي اعتبارات غير موضوعية. ولم يبقَ أمامنا سوى التمنّي والابتهال إلى العلي القدير أن يجنب الأطفال أينما تواجدوا ويلات عصرنا ويحافظ على براءتهم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *