صحيفة “اندبندنت عربية” تدعي عدم وجود حي لليهود في أورشليم القدس قبل عام 1967…

كما ذكرت مؤسسة “كاميرا” في أكثر من مناسبة، فإن صحيفة “اندبندنت عربية” لا تلتزم بتاتاً بمبادئ وقواعد عمل المدرسة الأم التي تدعي الانتساب إليها: صحيفة “اندبندنت” البريطانية الصادرة بالإنجليزية في لندن.

فعلى الرغم من تعهدها بالسير على نهج وخطى نظيرتها في المملكة المتحدة، ولا سيما حينما أطلقت موقعها الجديد على الشبكة العنكبوتية في بداية عام 2019، إلا أنها سلكت طريقاً آخر أبعد ما يكون عن أخلاقيات الصحافة والموضوعية المهنية التي طالما شددت على التحلي بها. فعلى سبيل المثال وليس الحصر، ادعت الصحيفة الناطقة بالعربية في مقال مثير للجدل والسخرية أن العبرية ليست إلا لغة منشقة عن العربية، الشيء الذي يناقضه العلم ويرفضه التاريخ. كما أنها هاجمت الطفلة آن فرانك التي روت مآساتها في عمل أدبي أدهش العالم قبل أن تطالها نيران النازية الآثمة ووصفتها بالإسرائيلية المتعطشة لدماء الفلسطينيين.

إلى اليوم، من الممكن الاطلاع على كلا المقالين على موقع الجريدة.

وعلى الرغم من كون الجريدة الناطقة بالعربية تحمل اسم إحدى أعرق الصحف البريطانية، بالإضافة إلى كونها مملوكة للمجموعة السعودية للأبحاث والإعلام (SRMG) التي تعد من أكثر المؤسسات السعودية تأثيراً في أوروبا وأبرز القوى الناعمة للرياض في المملكة المتحدة، إلا أن سياستها التحريرية الكارثية لا تفاجئ إلا القليلين. فما أكثر المقالات والتقارير الكاذبة وغير الموضوعية التي صدرت عنها في السنوات الأخيرة، مثل تلك التي ينشرها مراسلها في الضفة الغربية خليل موسى الذي اعتاد تبني أطروحات تنفي وجود أي صلة للشعب اليهودي بمدينة الخليل أو بالقدس.

كما أنه سبق له أن تبنى ذلك الموقف بنفسه:

يحاول المستوطنون بدعم من الحكومة الإسرائيلية تكريس وجودهم في الخليل والعمل على تهويدها، وإيجاد روابط تاريخية بها.

وعلى الرغم من اعترافه مؤخراً بوجود تاريخي لليهود بين النهر والبحر، فإنه لا يزال يصر على أن كل وجود يهودي في هذه البلاد في العصر الحديث يمثل خطراً وتهديداً. فرغم عدم انكاره لوجود كنيسين قديمين في أريحا يعودان إلى العصر البيزنطي، إلا أنه حذر في مقال نُشر له في التاسع عشر من أبريل/نيسان 2021 من تهويد تلك الآثار ومعها المدينة!

تكثيف المستوطنين زيارتهم إلى كنيس في أريحا يثير خشية فلسطينية من التهويد.

واستطرد قائلاً أن اكتشاف الكنيسين يعود إلى فترة الحكم الأردني، أي بين 1948 و1967، في حين أن أحدهما تم اكتشافه عام 1918 والثاني عام 1936.

ثم عاد ليلقي بقنبلة على قراءه، في التاسع والعشرين من يونيو/حزيران 2021، مدعياً أن الحي اليهودي بالبلدة القديمة في أورشليم القدس سمي هكذا عام 1967 وأن اليهود عاشوا “كأقلية بين الفلسطينيين” على مدى قرون:

لم تمضِ إلا سبعة أشهر على احتلال إسرائيل القدس الشرقية عام 1967 حتى بادرت إلى إصدار أمرٍ باستملاك حي الشرف جنوب القدس القديمة، (…) بعد إطلاق اسم “الحي اليهودي” عليه.

(…)

وكان اليهود يقيمون كأقلية بين الفلسطينيين في الحي منذ قرون طويلة.

هكذا يدعي موسى أن اليهود عاشوا “كأقلية بين الفلسطينيين” في الحي الذي لم يحمل اسمهم قبل ضم إسرائيل للشطر الشرقي من القدس عقب حرب الأيام الستة، متحدياً الواقع التاريخي للمدينة وللمنطقة.

التاريخ يقول أن الجزء الواقع بين باب صهيون (باب النبي داود)، الحائط الغربي (المعروف بحائط المبكى) والحي الأرمني في البلدة القديمة كان يعرف بالحي اليهودي وكان معظم سكانه من اليهود منذ أواخر الحقبة المملوكية.

كما وصف كتاب لمؤلف عربي مقدسي مسلم عام 1495 الحي بحارة اليهود. وفي كتابات تعود إلى العام 1800، تم استخدام نفس الاسم (“حارة اليهود”) للإشارة إلى ما يعرف اليوم بالحي اليهودي.

أما عن التركيبة السكانية للحي، بل للمدينة بأكملها، فلم يمثل اليهود قط “أقلية بين الفلسطينيين” لسببين:

  1. التمييز بين اليهود والفلسطينيين لا يستقيم لأنه يفترض أن الوجود اليهودي كان دخيلاً أجنبياً في محيط “فلسطيني” يجمع كافة المكونات غير اليهودية، من عرب وأرمن، مسلمين ومسيحيين. في حين أن اليهود عاشوا في المدينة، وفي البلاد عامةً، كمكون أصيل وكسكان أصليين للمنطقة. كما أن أهل البلاد لم يُعرفوا كفلسطينيين قبل استقلال إسرائيل عام 1948. بل أن حتى في ظل الانتداب البريطاني على فلسطين، أول كيان سياسي في التاريخ يحتوي على كلمة “فلسطين”، كانوا العرب واليهود يعيشون معاً في نفس الإطار الإداري وعُرفوا العرب على أنهم “عرب فلسطين” (إلى جانب يهود فلسطين) وليس “الفلسطينيين”.
  2. مثلوا اليهود أغلبية كاسحة فيما يعرف بالحي اليهودي، على الأقل منذ عام 1882، وبل أنهم اعتبروا الطائفة الدينية الأكبر عدداً في المدينة، إذا قسمنا المكون العربي إلى مسلمين ومسيحيين، كما يشير الإحصاء السكاني العثماني الذي أجري عام 1905.

إن استمرار المدعو خليل موسى في محاولاته البائسة لطمس المعالم اليهودية في أورشليم القدس، وفي إسرائيل بصفة عامة، مضللاً قراءه ومصوراً اليهود على أنهم مجموعة من الغزاة المستعمرين الدخلاء على مجتمع وفي منطقة ليس لهم فيها لا ناقة ولا جمل، يُعد خرقاً واضحاً جلياً لكافة المعايير المهنية التي طالما أعلنت الجريدة تمسكها بها. وعلى إدارة “اندبندنت” البريطانية أن تستيقظ من سباتها العميق وتدرك كيف يتم العبث باسمها العريق من قبل مجموعة من الهواة الموتورين الذين لا يمتون لعالم الصحافة بصلة لا من قريب ولا من بعيد.

أنظر إلى التقرير الأصلي بنسخته الإنجليزية، كما ورد في موقع “CAMERA UK” التابع لمؤسسة “كاميرا”.

Leave a comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *