عجائب عن “قرية” خربة حمصة الفلسطينية.. شتّان بين الحقائق والإعلام

تختلف خربة حُمصة عن أي قرية أخرى في العالم. يا ترى، ما سِرّ اهتمام فريق “كاميرا عربية” بها؟ يعود الأمر حقيقة إلى كيفية تناول بعض وسائل الإعلام الدولية لقضية هدم تلك “القرية” الواقعة في منطقة غور الأردن (جزء من الضفة الغربية) من قبل السلطات الإسرائيلية بصورة متكررة.

إذ كانت وكالة “أسوشييتد برس” قد أوردت تقريرًا بهذا الخصوص يوم 4 فبراير/شباط 2021. وجاء في هذا التقرير أن القرية قد تعرضت للهدم في نوفمبر/تشرين الثاني 2020، ثم للمرة الثانية يوم 2 فبراير/شباط 2021 ثم للمرة الثالثة بعد ذلك بيوميْن، أي يوم 4 فبراير/شباط 2021. وتثير هذه التواريخ، للتو، التساؤل: هل يُعقل أن يتم هدم قرية بأكملها مرتيْن بفارق يوميْن؟ أي “قرية” في العالم يمكن إعادة بنائها خلال يوميْن ليعاد بالتالي هدمها مجددًا؟

لعل الأمر يتبيّن أكثر إذا أدركنا، وفق الإعلان الرسمي الإسرائيلي حول الحادث، أن ما تم إزالته في خربة حمصة لا يعدو كونه مساكن عشوائية وتحديدًا عدة خيام وحظائر للمواشي وحمامات وحاويات وسيارتيْن. ويدل على هذه الحقيقة شريط مصوَّر تم نشره على موقع جماعة “بتسيلم” الإسرائيلية المعنية بحماية حقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة (حسب تعبيرها).

ويشار إلى أن وكالة “أسوشييتد برس” لم تكن الأولى في نشر التقارير غير الدقيقة حول حقيقة ما يجري في خربة حمصة. إذ سبقتها بعض وسائل الإعلام الأخرى مثل شبكة CBS الأمريكية التي كانت قد أوردت في نوفمبر/تشرين الثاني 2020 أن إسرائيل “جرّفت قرية فلسطينية”. كما أن وكالة الأنباء الفرنسية نشرت تقريرًا بعنوان “إسرائيل تهدم مرة أخرى قرية بدوية في الضفة الغربية“. وسارت وكالة رويترز على هذا المنوال أيضًا مدّعيةً، في الملاحظات المرفقة ببعض الصور التي نشرتها، بأن القوات الإسرائيلية أزالت “القرية” (أنظر أدناه).

صورة التقطتها وكالة رويترز لمشهد هدم خربة حمصة جاء فيها: طفلة فلسطينية ترقد على غطاء بلاستيكي في قرية خربة حمصة التي دمرتها القوات الإسرائيلية في غور الأردن بالضفة الغربية المحتلة، 4 فبراير/شباط 2021،

صورة أخرى لوكالة رويترز جاء في شروحها أن رئيس الوزراء الفلسطيني محمد إشتيه يزور مع عدد من الدبلوماسيين الأجانب قرية خربة حمصة التي أزالتها القوات الإسرائيلية

أما بالنسبة لسرعة إعادة تشييد “القرية” المهدومة، فيمكن شرحها من خلال ما ورد في بيان وحدة منسق أعمال الحكومة الإسرائيلية في المناطق، حيث جاء فيه أنه فور إتمام عملية الهدم (بعد مضي ساعة) وصلت إلى “القرية” شاحنة محمَّلة بالأغراض، كانت قد أرسلتها اللجنة الشعبية لمقاومة الجدار (لجنة رسمية تابعة للسلطة الفلسطينية)، حيث شُرع في الحال ببناء “القرية”. غير أن القوات الإسرائيلية عادت حينها إلى المكان وصادرت الشاحنة ومحتوياتها.

إذا تطرقنا إلى خلفية إخلاء خربة حمصة من ساكنيها، فلا خلاف حول عدم امتلاكهم أي حقوق قانونية معترف بها في أراضي الموقع التي كانوا يستخدمونها للرعي. كما أن مسألة إجراء الجيش الإسرائيلي تدريبات عسكرية في المنطقة ليست موضع خلاف. وقد قضت محكمة العدل الإسرائيلية العليا، عقب نظرها في القضية عام 2019، بجواز إخلاء خربة حمصة على هذا الأساس. غير أن جميع التقارير الإخبارية تجاهلت ببساطة الحكم القضائي الصادر بهذا الخصوص، مما يدل أيضًا على انحياز تغطيتها لطرف دون آخر. ويشار إلى أن وكالة أسوشييتد برس، في تقريرها الآنف الذكر، لم تتطرق إلى الحكم القضائي بل عزت المعلومات حول استخدام المنطقة للتدريبات النارية إلى الجيش الإسرائيلي نفسه.

بالمقابل أوردت وكالة أسوشييتد برس رواية ناطق بلسان جماعة “بتسيلم” الإسرائيلية اعتبر أن ما قامت به القوات الإسرائيلية ضد سكان خربة حمصة يرقى إلى مستوى الترحيل القسري الذي يُعدّ جريمة حرب وفق مسميات القانون الدولي. وبالفعل ينص هذا القانون (أنظر مثلاً قاعدة البيانات الخاصة باللجنة الدولية للصليب الأحمر) على أنه لا يحق لأطراف تخوض صراعًا دوليًا مسلحًا الإقدام على ترحيل السكان المدنيين من أي أرض محتلة، إلا إذا كان الأمر ينطوي على تعريض أمن السكان للخطر أو هناك أسباب عسكرية حتمية تبرر نقل السكان. بما أن المنطقة مستخدمة منذ عام 1972 بصفة منطقة إطلاق نار للجيش الإسرائيلي، فيبدو أن هناك ما يبرر نقل المدنيين منها ولو من منطلق حماية حياتهم.

أخيرًا، هناك دلائل ميدانية على أن خربة حمصة لم تكن قط “قرية” بل إنها لم تتجاوز في أي مرحلة عدة خيام. وتظهر صورة جوية نشرتها جماعة “رغافيم” الإسرائيلية عام 2019 لمنطقة خربة حمصة على أنها كانت أساسًا أرض بور (أنظر أدناه) باستثناء بعض المباني الصغيرة التي تبين أنه تم إنشاؤها بتمويل من الاتحاد الأوروبي.

صورة جوية لموقع خربة حمصة (2019)

وتجدر الإشارة، في هذا السياق، إلى أن تقارير وسائل الإعلام الدولية حول عدد سكان خربة حمصة شهدت تفاوتًا كبيرًا، حيث نقلت وكالة الأنباء الفرنسية عن ناشط فلسطيني قوله إن عددهم تراجع من 186 عام 1990 إلى 21 شخصًا لا أكثر حاليًا بسبب الإجراءات الإسرائيلية، على حد قوله. بدورها أوردت وكالة رويترز أن العدد الحالي لسكان خربة حمصة يبلغ 130 شخصًا. مهما كان الحال، فإن المعطيات الواردة في موقع جهاز الإحصاء الفلسطيني تتؤكد تضاعف عدد سكان خربة حمصة أكثر من سبعة أضعاف منذ تسعينيات القرن الماضي (حيث كان يقطن القرية 17 شخصًا فقط، الأمر الذي يدل بحد ذاته أن المساكن هناك كانت عشوائية وغير منتظمة بشكل يؤهلها للتسمية “قرية”).

بناءً على كل ما تقدَّم، وبغض النظر عن اختلاف المواقف من طريقة تعامل السلطات الإسرائيلية مع سكان خربة حمصة، فإن مجمل الدلائل تؤكد عدم أهلية إطلاق اسم “قرية” عليها، لكن يبدو للأسف أن وسائل الإعلام الدولية التي غطّت القضية لم تتحرَّى الدقة وفضّلت اعتماد الرواية الفلسطينية بهذا الشأن من دون أي تحفظ أو مراجعة حقيقية.

أنظر إلى النسخة الأصلية للتقرير الواردة على موقع مؤسسة “كاميرا” باللغة الإنجليزية

Leave a comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *