“يجب أن يكون هناك المزيد من هذه العمليات!” جاءت هذه الجملة على لسان أحد المتابعين لصفحة قناة “فرانس 24” الرسمية عبر موقع فيسبوك، تعليقاً منه على حادثة إطلاق النار على كنيس في ولاية كاليفورنيا عام 2019. وعبر متابع عن دعوته إلى القيام بحملة إبادة جماعية ضد اليهود قائلاً: “الموت لجميع اليهود في العالم!” مثل هذه التعليقات تتواصل وتنشر بجنون، وهو ما رصدته مؤسسة “كاميرا” في تقرير لها نشرته عبر موقعها باللغة الإنجليزية.
وتطرق التقرير والعمل البحثي لمؤسسة كاميرا للحديث عن التعليقات المعادية للسامية ولإسرائيل والموجود عبر حسابات ومنصات التواصل الاجتماعي الخاصة بصحفيي قناة “فرانس 24” بالعربية، وهو ما أثار أزمة إعلامية، وأدى إلى إنهاء خدمات أحد مراسلي هذه القناة، وتوجيه تحذيرات لعدد من الصحفيين الآخرين من العاملين بها، خاصةً بعد أن وصل الأمر ببعض من هؤلاء الصحفيين إلى مدح الزعيم النازي هتلر نكايةً في اليهود.
ومع تفشي هذه الكراهية، كشف تحقيق أجرته مؤسسة “كاميرا” وفريقها باللغة العربية عن غياب وجود أي رقابة على التعليقات المعادية لليهود التي تنتشر بكثافة في التعليق على الأخبار المنشورة عبر وسائل التواصل الاجتماعي للقناة. من الواضح أن فضيحة العداء للسامية التي شهدتها “فرانس 24” عام 2023 لم تدفع هذه الشبكة الإخبارية الممولة من الحكومة الفرنسية إلى القيام بمراجعة عامة لهذه المنشورات في ظل الحاجة لذلك.
ويكشف التقرير الأخير لمؤسسة “كاميرا” إن فريق قناة “فرانس 24” باللغة العربية والمختص بمتابعة منصات التواصل الاجتماعي فشل مراراً في مراقبة وحذف التعليقات المعادية لليهود رداً على منشورات “فرانس 24” بالعربية على وسائل التواصل الاجتماعي. وأظهر التحليل والفحص الدقيق لمنشورات “فرانس 24” بالعربية على منصتي يوتيوب وفيسبوك، منذ مايو/أيار 2021، وتحديداً خلال عملية “حارس الأسوار”، عن نشر المئات من التعليقات التي تحتفي بمرتكبي العمليات الإرهابية من الفلسطينيين، والاحتفاء بسقوط القتلى الإسرائيليين.
وحتى وقت نشر هذا المقال باللغة الإنجليزية، كان من الممكن مشاهدة الكثير من التعليقات غير الإنسانية في العديد من المنشورات التي عرضتها القناة. (عقب نشر مؤسسة “كاميرا” للتحقيق المذكور، لأول مرة تم تعديل وحظر العديد من التعليقات غير الإنسانية والمسيئة للإسرائيليين عبر منصات القناة الفرنسية).
وفي تغطيه قناة “فرانس 24” للعمليات الإرهابية ضد المدنيين الإسرائيليين، كانت أكثر من نصف التعليقات (قبل حذفها) إما قليلة للغاية تشجب وباستحياء الهجمات والمهاجمين أو تعبر ببساطة عن شعور بالسعادة بموت المدنيين الإسرائيليين الأبرياء في جميع التعليقات المنشورة باستثناء واحدة (لم تحتوي على تعليقات)، وقد وصلت نسبة التعليقات المعادية لإسرائيل إلى نسب كبيرة ونلاحظ في الصورة المعروضة سابقا احتفال العديد من المعلقين على صفحة فرانس 24 العربية الرسمية على يوتيوب بعملية الهجوم القاتل بالطعن ودهس السيارة التي وقعت في نوفمبر 2022 ، وهي العملية التي قام به إرهابي فلسطيني ، وقتل فيه ثلاثة أشخاص وجرح ثلاثة آخرين بالقرب من أريئيل. ويتفاخر أحد المعلقين قائلاً: “سينهي الشهداء من أبناء فلسطين حياة أبناء الخنازير والقردة”، في إشارة إلى أبناء الشعب اليهودي.

وفي مكان آخر على صفحة فرانس 24 العربية على يوتيوب يحتفل المعلقون بالهجوم الإرهابي الذي وقع في مدينة بني براك في مارس 2022، وهو الهجوم الذي قتل فيه خمسة أشخاص. وقد كتب أحد المعلقين: “نتمنى أن يصل عدد الضحايا إلى خمسة ملايين”. وقد استغل عدد من المعلقين على صفحة فرانس24 العربية الرسمية في ال فيسبوك وقوع هجوم مارس 2022 في بئر السبع، وهو هجوم قتل فيه أحد العرب ممن يحملون الهوية الإسرائيلية أربعة أشخاص وجرح اثنين آخرين (توضيح: كشفت التحقيقات إن مرتكب الحادث له صلات بتنظيم الدولة الإسلامية داعش) وقد كتب أحد المشاركين تعليقا على هذه العملية قال فيه: “عمل بطولي، أربعة خنازير في وقت واحد، برافو وسيكون هناك المزيد، إن شاء الله”. وأخيرًا، لا تسلم التعليقات المنشورة في قسم الأخبار تجسيد الكراهية لكل ما هو يهودي أو يتعلق بإسرائيل.
في الواقع، تتخلل وسائل التواصل الاجتماعي لـ فرانس 24 العربية كراهية مقززة للسامية بصورة عامة، وإنكاراً للمحرقة بصورة خاصة. ويسمح نظام التعليقات في قناة فرانس 24 للمعادين للسامية بنشر كراهيتهم بكل حرية، ويتضح ذلك مع رؤية التعليق على تصريحات سيرجي لافروف وزير الخارجية الروسي حول أصول هتلر اليهودية المزعومة، أو عند الحديث عن شهادة الناجين في احتفال اليوم الدولي لذكرى المحرقة أو عند إدراج دراسات المحرقة في مناهج المدارس في الإمارات.

وعند تناول نقطة تصريحات وزير الخارجية الروسي عن الزعيم النازي أدولف هتلر تحديدا ، والتي أدلى بها في مايو ٢٠٢٢ سنجد تفاعلا إيجابيا ومشجعا لهذه التصريحات ، حيث كتب أحد المعلقين أن “المحرقة كذبة، وأن كل شيء ملفق للتعاطف مع الصهاينة”، في حين يرى آخر أن “هم [يقصد هنا اليهود] هم الأكثر إلحادًا، وأفعالهم أكثر وحشية ودناءة من أفعال هتلر”. ويشارك ثالث معلق قائلاً إن “أفعال اليهود في العالم، خاصة في فلسطين، وتاريخهم الدموي للإرهاب يشير إلى ذلك ..”أي أن هتلر كان يهوديًا”.

بالمثل، أكثر من ثلث المعلقين ممن تفاعلوا مع التقرير الإخباري الذي نشرته قناة فرانس 24 على فيسبوك أدلوا بتعليقات تعكس كراهية واضحة وقد أدلوا بهذه التصريحات تعليقا منهم حول حادث هجوم إطلاق النار في كنيس يهودي في باواي بولاية كاليفورنيا في أبريل 2019، وهو الهجوم الذي قتل فيه مصلٍ وأصيب ثلاثة آخرون. وكان واضحا سعادة المعلقين بالحادث ، معربين في نفس الوقت عن وقوع المزيد من الأعمال المشابهة . وخلال تعليقه على العنوان الذي يشير إلى وفاة شخص واحد، يقول أحد المعلقين: “قليل جدًا، يجب أن يكون هناك المزيد.” بينما يضيف آخر تعليقا ويقول : “أتمنى الموت لجميع يهود العالم.”

ومن خلال متابعة تفاعلات المعلقين، يمكن الوصول لاستنتاج منطقي وهي أن أبناء الشعب اليهودي ليسوا وحدهم ضحايا لهذا العنف اللفظي الذي يمارسه المعلقون عبر منصات قناة “فرانس 24″، ولكن هناك كثيرا من الضحايا الآخرين من أبناء الأقليات ممن يتعرضون للنقد بسبب توجهاتهم الفكرية أو انتماءاتهم الدينية أو الجنسية.
وتُتيح الشبكة أيضًا حريةً مطلقة لانتقاد المجتمع المثلي، ويصل الأمر إلى حد التحريض على العنف ضد أبناء هذا المجتمع، وعلى سبيل المثال، وفي أعقاب الهجوم المميت الذي وقع في يونيو 2022 في نادٍ للمثليين في العاصمة النرويجية أوسلو، أشادت غالبية الردود المنشورة عبر حساب قناة “فرانس 24” على فيسبوك بهذا الهجوم الإرهابي (توضيح : أسفر الهجوم عن وفاة قتيلين وجرح 22 آخرين).
وكان هناك إشادات بهذه المجزرة، وقال أحد المعلقين “أنه أكبر عدد من القتلى، بإرادة الله”، وقال آخر “العالم أفضل بدونهم”.
والمعروف آن موقع تويتر، وعلى عكس موقعي فيسبوك أو يوتيوب، لا يتيحان للناشرين (الأدمن) تنظيم وحذف تعليقات الآخرين على ما نشروه ، ولهذا كان يمكن لفريق التواصل الاجتماعي الصحفي في قناة فرانس 24 مراقبة وحذف التغريدات التي تنم عن الكراهية وإغلاق خاصية السماح بنشر التعليقات على الموضوعات الحساسة ، وهو ما يمنع أي تعليقات تحث على الكراهية والتي تعبر عنها تعليقات قناة فرانس 24 فيما يتعلق بالحوادث الإرهابية ضد المدنيين الإسرائيليين فضلا قضية الهولوكوست التي يرافق نشرها أيضا الكثير من التعليقات المسيئة ومجتمع الميم (المثليين).
وكان من الأفضل على القناة أو غيرها من وسائل الإعلام أخذ الحيطة والحذر قبل التغريد حول هذه الموضوعات الحساسة. (من الملاحظ أن القسم العربي في هيئة الإذاعة البريطانية بي بي سي كان يسير على نفس النهج ، وهو ما كشفه تقرير إخباري نشرته صحيفة جيويش كرونيكل بالتعاون مع مؤسسة كاميرا بالعربية وعلى أثر هذا التقرير بدأت بي بي سي العربية بالفعل في محاولاتها للحد من نشر التعليقات المتطرفة والكارهة لإسرائيل واليهود والداعمة للإرهاب بمنع التعليق أو حذف المحتوى التحريضي وهناك كلمة أخيرة ، إن قيم “الحرية – المساواة – مصداقية” تمثل شعار قناة فرانس 24 ، وهي تضع هذا الشعار عبر منصاتها الاجتماعية باللغة العربية ، رغم إن هذه المنصات تعتاد على الترويج للكراهية، والتحريض على العنف، والأكاذيب.

وإذا لم تستطع الشبكة تطهير نفسها من هذا النهج العنصري المتواصل بين أركانها، فإن دافعي الضرائب الفرنسيين الذين يتحملون التكاليف، سيكون لديهم كل الحق في المطالبة بالتوقف عن هذا الأمر ، والقول : “كفى!” لهذا التحريض (توضيح: “الحرية، المساواة، الأخوة” هي قيم ومبادئ الجمهورية الفرنسية).
توضيح إضافي: في جميع القنوات المحترفة هناك قسم متابعة التعليقات ، وهو القسم الذي يضم عدد من المتابعين ، وتكون مهمتهم الرئيسية متابعة كل كبيرة وصغيرة في التعليقات، وحذف التعليقات التي لا تتناسب مع سياسة القناة أو التي بها إساءة لدين أو عرق أو تعصب.
أنظر إلى التقرير المنشور بالإنجليزية على موقع مؤسسة “كاميرا” بالإنجليزية.
أنظر إلى التقرير المنشور بالفرنسية على موقع “InfoEquitable” الفرنسي.
تحديث 17/04/2023: بعد نشر هذا المنشور قامت قناة “فرنسا 24” بتعديل الصيغة التحريرية للتعليقات من على منصاتها في فيسبوك ويوتيوب، وقامت في هذا الإطار أيضاً بحذف العديد من التعليقات المتطرفة والداعية للكراهية.
