مجلة “ناشيونال جيوغرافيك” تحرّف الحقائق عن مدينة المهد و”كاميرا” تتدخل

كما جرت العادة في فترة أعياد الميلاد المجيدة تسلط وسائل الاعلام الأضواء على مدينة بيت لحم مدينة الميلاد. وانضمت مجلة “ناشيونال جيوغرافيك” (National Geographic) الأميركية إلى هذا الركب، حيث نشرت بتاريخ 23 كانون الثاني/ديسمبر 2017 مقابلة أجرتها مع الروائي نيكولاس بلينكو (Nicholas Blincoe) بعنوان “التاريخ المفاجئ لمدينة بيت لحم الصغيرة”.

غير أن هذه المقالة تضمنت بعض المغالطات واتسمت بعدم تحرّي محرري المجلة الدقة بحثًا عن الحقائق قبل نشرها. ورغم تدخل طاقم مؤسسة (كاميرا) الذي قامت هيئة التحرير للمجلة بفضله بتصحيح بعض الأغلاط، إلا أن بعضها الآخر بقي للأسف حبرًا على ورق.

يشار إلى أن الروائي بلينكو يعتبر نفسه خبيرًا في شؤون المدينة المقدسة وألف كتاب “حقائق عن بيت لحم”، بيد أنه يبدو أنه مطالَب أولاً بمراجعة الحقائق التي يقدمها.

فيما يلي بعض التصويبات للأخطاء الفادحة الواردة ضمن المقابلة:

[1] “بيت لحم تشكل مصدرًا لمياه القدس”
لقد ادّعى الخبير أن بيت لحم تشكل مصدرًا لمياه القدس وأنه توجد في المدينة محطة لضخ المياه للقدس وللمستوطنات المحيطة بالمدينة وعددها 22. بطبيعة الحال يحتاج ادعاء من هذا القبيل الى توضيح ودراسة دقيقة ومتأنية، إلا أنه في الواقع أبعد ما يكون عن الحقيقة. إذ يقول البروفيسور حاييم غفيرتسمان الخبير في شؤون المياه من الجامعة العبرية في القدس إن هذه الحقيقة كانت صحيحة قبل ألفيْ سنة وما سبقها، أي أيام هيكل سليمان، ولكنها لم تعُد صحيحة اليوم على الإطلاق، فهناك ستة ينابيع في منطقة بيت لحم توفر كمية نصف مليون متر مكعب من المياه (وهي كمية لا تسدّ إلا نسبة ضئيلة من احتياجات القدس للمياه)، علمًا بأن هذه المياه تُستخدم في القرى والمدن الفلسطينية المجاورة ولا يتم ضخها بأي حال من الأحوال الى القدس.
كما نفى أوري شور المتحدث باسم سلطة المياه الإسرائيلية أن يكون هناك أي نقل للمياه من مناطق الضفة الغربية الى القدس. يأتي ذلك ردًا على ادعاء الروائي الأميركي المذكور بأن إسرائيل أقامت محطة لضخ المياه في مستوطنة كفار عتسيون في منطقة بيت لحم. ولكن الروائي “الخبير” لم يتحقق من صحة أقواله ذلك لان محطة ضخ المياه كانت قد أقيمت في مفرق غوش عتسيون (وليس في مستوطنة كفار عتسيون) من قبل المملكة الأردنية الهاشمية قبل العام 1967، ناهيك عن حقيقة عدم توفير المحطة حتى يومنا هذا أي مياه للقدس بل إلى منطقتيْ بيت لحم والخليل.
وقامت هيئة تحرير المجلة بتصحيح هذه الأخطاء بعد تدخل طاقم (كاميرا) لكنها للأسف استبدلت الغلط السابق بآخر جديد منسوب الى الروائي، قائلة إن إسرائيل تستخدم المياه الجوفية من الحوض الشرقي بمنطقة بيت لحم. هذا الادعاء لا يمتّ إلى الحقيقة بصلة أيضًا. من المعروف ان مخزون المياه الجوفية في الحوض الشرقي بمنطقة بيت لحم لا يشكل مصدر مياه رئيسي لإسرائيل اذ أن 54% منه مخصص حسب اتفاقيات أوسلو للاستخدام الفلسطيني و40% فقط لاستخدام إسرائيل. ويقول أوري شور المتحدث باسم سلطة المياه الإسرائيلية إن مخزون المياه الجوفية في الحوض الشرقي بمنطقة بيت لحم يشكل 3% فقط من إجمالي كميات المياه التي يستخدمها الإسرائيليون، فعليه لا أساس من الصحة لادعاء “الخبير” أن إسرائيل استولت على مياه بيت لحم.

[2] متى أقيمت أول مستوطنة إسرائيلية داخل بيت لحم؟
لم يكتفِ الروائي الخبير بهذا القدر من الادعاءات الكاذبة بل قال خطأ إن أول مستوطنة إسرائيلية داخل بيت لحم أقيمت في العام 1967 ولكنه نسي أو تناسى أنه ليس هناك أي وجود لمستوطنات إسرائيلية داخل المدينة وأن اول مستوطنة في المنطقة المجاورة هي مستوطنة كفار عتسيون التي أعيد بناءها في العام 1970 بعد إخلائها خلال حرب 1948.

[3] “لا توجد حركة سياحية في بيت لحم منذ عشر سنوات”
إدعى “الخبير” بأنه “منذ اقتحام إسرائيل للمدينة في العام 2002 بقيت السياحة معدومة فيها لمدة عشر سنوات”، غير أن هذا الادعاء لا يستند أيضًا إلى أي أساس، وقد عمدت المجلة إلى تصحيحه بعد الاطلاع على معطيات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني المبينة أدناه.

 

[4] “تم محو مدن من على وجه الأرض”
وفي سياق حديثه عن عملية الجيش الإسرائيلي في الضفة الغربية في العام 2002 والتي انطلقت ردًا على موجة العمليات الإرهابية الانتحارية التي استهدفت المدنيين العزل في إسرائيل في تلك الفترة، شارك الروائي “الخبير” قراء المجلة قصة شخصية خاصة بالتجربة التي تعرضت لها حماته آنذاك، لكنه تجاهل ذكر الأسباب التي دفعت الجيش الإسرائيلي الى الخروج في هذه العملية، أي العمليات الإرهابية الآثمة ضد المدنيين الأبرياء. ولم يكتفِ الروائي بذلك بل مضى يقول إنه “تم محو مدن بأكملها من على وجه الأرض” خلال العملية العسكرية الإسرائيلية.
غير أن كل من سعى لاستيضاح ولكن المطلع على حقائق الأمور سوف يجد أن ساحة القتال الرئيسية كانت مخيم جنين حيث تم بموجب تقرير الأمين العام للأمم المتحدة المؤرخ في العام 2002 تدمير 10% من المخيم كليًا إثر المواجهات المسلحة التي اندلعت فيه.
وبعد تدخل طاقم (كاميرا) تم تعديل هذه الفقرة من المقابلة حيث جاء في الصيغة المعدلة أنه كانت هناك “مدن [فلسطينية] قد تضررت”.

[5] “السجن المفتوح”
تحدث الروائي بلينكو خلال مقابلته عن “طريق التفافي للمستوطنين فقط” يحيط بمدينة بيت لحم، ما جعله يشبّه المدية بـ”السجن المفتوح”. والحقيقة التي لا تقبل التأويل هي أنه ليس هناك طريق التفافي من هذا النوع بل إن الطريق رقم 60 الذي يمر بمحاذاة المدينة يسلكه السائقون الفلسطينيون كما هو الامر بالنسبة لسائر الطرق في المنطقة.

[6] تجاهل تاريخ بيت لحم اليهودي
في ضوء تحريف الروائي “الخبير” الحقائق فيما يتعلق بمدينة بيت لحم لم يأتِ تجاهله لأهمية المدينة في تاريخ الشعب اليهودي من باب المفاجأة. فمدينة مهد المسيح هي أيضًا مسقط رأس الملك داود ويوجد فيها قبر راحيل من أمهات المؤمنين.

خلاصة القول: كان حريًا بمجلة “ناشيونال جيوغرافيك” التي تتفاخر بدورها الرائد في طرح التقارير المثيرة والدقيقة في آن على قرائها، أن تتجنب السقوط في هذه المثالب وتقدم الحقائق بعيدًا عن أي تحريف بدافع سياسي.

رابط المقابلة بالإنجليزية بعد إجراء بعض التعديلات عليها https://news.nationalgeographic.com/2017/12/bethlehem-christ-birth-blincoe/

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *