في حلقة برنامج ساعة إخبارية الذي تعرضه هيئة الإذاعة العامة الأميريكية “بي بي أس” ، والذي بثته القناة في 30 ديسمبر 2025، قالت الشبكة في توجهها التحريري بهذا البرنامج إن “الدمار ليس مجرد كارثة إنسانية، بل محو لذاكرة الحضارة”.، البرنامج كانت رسالته الصحفية تسليط الضوء على الأضرار التي لحقت بالتراث الثقافي الغني لقطاع غزة خلال عامين من الحرب، ومع ذلك، فإن هذا التقرير الذي أعده الصحفي جيفري براون الطويل قام بمحو ذاكرة التراث اليهودي الغني في غزة والذي يعود لآلاف السنين، مع تجاهل الحقائق المعاصرة.

على سبيل المثال، في أكتوبر 2023، ذكر براون معطيات عما يُفترض أنه عملية لتدمير كنيسة القديس بروفيريوس التي يبلغ عمرها 1600 عام ، وتتواجد على الساحل، وقال:
“كنيسة القديس بروفيريوس البالغة من العمر 1600 عام تُعد ثالث أقدم كنيسة في العالم. وقد دمرتها ضربة إسرائيلية خلال الأسابيع الأولى من الحرب.”
لكن الحقيقة التي كشفها الجهد البحثي لمؤسسة كاميرا إن الكنيسة لم تُدمر ، حيث تُظهر الصور الفضائية، والصور الفوتوغرافية، ومقاطع الفيديو للكنيسة بعد الضربة التي وقعت في 19 أكتوبر 2023، أنه بينما تضرر مبنى ضمن مجمع الكنيسة، ، ظلت الكنيسة نفسها سليمة ولم تُصب بأي أذى.
تُظهر الصور الفضائية من تطبيق غوغل أيرث أدناه مجمع الكنيسة، مع تحديده باللون الأزرق، والمنطقة المتضررة باللون الأحمر.

صور قبل وبعد الضربة لكنيسة القديس بروفيريوس (حقوق الصورة: لقطة شاشة/Google Earth) توضح الحالة بدقة.
كما أفادت صحيفة نيويورك تايمز إنه وبعد الضربة بشكل واضح: «لم تُصَب صالة الصلاة ..ووفقاً للتقرير نفسه، يضم مجمع الكنيسة «صالة صلاة، وسبعة مبانٍ، وساحة خارجية».
علاوة على ذلك، لم تُشر هيئة الإذاعة الأميركية إلى معلومات إسرائيلية تفيد بأنها كانت تستهدف مركز قيادة لحماس موجوداً في مبنى مجاور للكنيسة، وليس الكنيسة نفسها.، وعلى العكس من ذلك ذكرت صحيفة تايمز التفاصيل الدقيقة لهذه الواقعة موضحة استغلال عناصر حماس للنطاق الجغرافي للكنيسة ليقوموا بالتمركز بجوارها وتدشين مركز قيادة لها بجانب الكنيسة.
وقد أعلنت القيادة العسكرية الإسرائيلية بعد توجيه الضربة إن الكنيسة لم تكن الهدف المقصود للغارة الجوية. وأوضح بيان للجيش الإسرائيلي إن المقاتلات التي نفذت الهجوم كانت تحاول تدمير مركز قيادة لحركة حماس بالقرب من الكنيسة، والذي يعتقد الجيش أنه شارك في إطلاق صواريخ وقذائف هاون تجاه إسرائيل.
وأضاف البيان: «الحادثة قيد المراجعة»، مشيراً وبشكل قاطع إلى أن الكنيسة لم تكن هدف الضربة بالمطلق.
لاحقاً، نشرت القوات الإسرائيلية فيديو للغارة يظهر أن الهدف كان المبنى المجاور للكنيسة، وليس الكنيسة نفسها.
من خلال تجاهل تبرير الجيش الإسرائيلي للغارة، ألمح براون إلى أن الجيش استهدف الكنيسة عمداً بدون أي مبرر – وهو ما يعد جريمة حرب خطيرة لو كان الأمر صحيحاً – ويمثل هذا اتهام خطير للغاية.
مسجد العمري
علاوة على ذلك، يقع نفس مركز قيادة حماس بجوار موقعين آخرين تضررا فعلياً، كما ورد في التقرير: مسجد العمري وقصر الباشا.
أما بالنسبة للمسجد، الذي لطالما كان موقعاً لأنشطة إرهابية، فقد قدم براون تقريراً انتقائياً قائلاً:
“مسجد عمر الكبير من القرن السابع، والذي كان كنيسة صليبية ثم تحوّل إلى مسجد إسلامي مبكّر، ببرجه المئذني الشاهق وأعمدته الرخامية، أصبح الآن في حالة خراب.”

حضر المشيعون جنازة عناصر حماس القتلى في مسجد العمري، يناير 2025 (Facebook / القسم 27أ من قانون حقوق النشر).
وأفادت وسائل إعلام أخرى التي غطت تدمير مسجد العمري بشكل صريح بمعلومات جيش الدفاع الإسرائيلي حول وجود حماس في المنطقة ، حيث ذكرت هيئة الإذاعة البريطانية بي بي سي عبر موقعها بالإنجليزية التالي: “في مسجد العمري الكبير، تقول قوات الدفاع الإسرائيلية إنها قصفت فتحة نفق ونفقاً إرهابياً”
وبالمثل، ذكرت صحيفة هاآرتس التالي: قالت قوات جيش الدفاع الإسرائيلي إن حماس استخدمت الموقع في أنشطة إرهابية، وتم العثور على إرهابيين بالإضافة إلى مدخل نفق داخله».
علاوة على ذلك، على مدى عقود، ألقى قادة حركة حماس خطباً (سياسية ودينية) في الموقع وحضروا جنازات عناصر حماس القتلى التي أقيمت في الكنيسة.
وفي يوليو 2018، أصدر القيادي في حركة حماس فتحي حماد أوامر من داخل المسجد قائلاً:
“أيها المسلمون، أينما وجدتم يهودياً صهيونياً، عليكم قتله، لأن ذلك تعبير عن تضامنكم مع المسجد الأقصى وتعبير عن تضامنكم مع… قدسكم وهويتكم الفلسطينية وشعبكم”.
“لا يوجد نقص في الأمثلة الإضافية التي تُظهر أن حركة حماس استغلت الموقع ذاته الذي اقتُبس عن المتحدث محمود حواري وهو خبير للآثار قوله فيه: «لقد ازدهر التراث الثقافي هنا لآلاف السنين».”
التوضيح: المعنى يشير إلى أن الموقع التاريخي الذي أشاد به عالم الآثار محمود حواري، والذي له قيمة ثقافية كبيرة، تم استغلاله من قبل حماس لأغراضها، رغم أهميته التراثية والثقافية.
علاوة على ذلك، أفادت منظمة العفو الدولية في 2015 أن السنة السابقة شهدت انتهاكات أمام المسجد ، وتقول المنظمة : «في واحدة من أكثر الحوادث تأثيراً ، تم إعدام ستة رجال علناً على يد قوات حماس خارج مسجد العمري في 22 أغسطس، أمام مئات المشاهدين بما فيهم الأطفال». وهكذا، يتضح مدى انتهاك القدسية المفترضة للمكان المقدس.
قصر الباشا
أعرب براون عن أسفه لتدمير قصر الباشا:
«بُني لأول مرة في منتصف القرن الثالث عشر، وكان مركزاً للسلطة خلال فترات المماليك والعثمانيين. اليوم، أصبح مجرد لا شيء مقارنة بمجده السابق، وهيكل تاريخي تحول إلى أنقاض».
وقد كان القصر يُستخدم سابقاً كـ متحف للتاريخ في غزة ويضم آلاف القطع الأثرية النادرة، والآن يقوم علماء الآثار المحليون بمحاولة استعادة ما يمكن إنقاذه في مهمة شبه مستحيلة.

قصر الباشا في نوفمبر 2022 (تصوير: دان بالراز، CC BY-SA 4.0، عبر Wikimedia Commons)
وقد تدمّر متحف القصر في ضربة إسرائيلية ديسمبر 2023 ، وأفاد براون أن المتحف كان يضم 17,000 قطعة أثرية، ومنذ بدء أعمال الترميم، لم يُعثر إلا على 20 قطعة فقط.
وأشار المدير العام لمشروع ترميم القصر، حمودة الدهدار، في التقرير التلفزيوني إلى أن معظم القطع الأثرية تم هدمها وسرقتها داخل تلك الغرف».
توضيح: حمودة الدهدار، خبير التراث الثقافي في مركز حفظ التراث في مدينة بيت لحم بمنطقة يهودا والسامرة أو ما يعرف عربيا بالضفة الغربية
وفي مواقع الأخبار التركية (موقع وكالة الأناضول) الرسمية الحكومية التي تعبر عن رأي الدولة والعربية (موقع صحيفة القدس وهي صحيفة السلطة الفلسطينية شبه الرسمية والتي تعبر عن رأي السلطة الرسمي)، اتهم الدهدار الجيش الإسرائيلي بشكل أكثر صراحة بنهب القطع الأثرية، رغم غياب أي دليل على مثل هذه الجرائم. على العكس، رفض أحد علماء الآثار المرتبطين بالموقع هذه الاتهامات، بحسب ما نقلته وكالة فرانس برس ، وسرعان ما اتهم الفلسطينيون الجيش الإسرائيلي بنهب الآثار محل الجدل، لكن عالم الآثار رينيه إلتر من المدرسة الفرنسية للآثار والكتب المقدسة قال صريحًا: «لم أرَ أي دليل على نهب أي شيء من الموقع».
وأضاف بالقول : «تمكّن زملائي من العودة إلى الموقع. الجنود فتحوا الصناديق، ولا نعلم إذا أخذوا شيئًا».
وأوضحت وكالة فرانس برس أن معظم ما تم اكتشافه في الحفريات الأثرية بغزة كان إما مخزّناً في متحف قصر الباشا أو في مستودع بمدينة غزة.
وعلى الرغم من أن هيئة الإذاعة العامة الأميركية أوردت تقارير عن تدمير ما قيل إنه آثار أثرية في القصر، إلا أنها لم تُشر إلى أن الآثار المخزنة في مستودع مدينة غزة نجت من الأضرار. وتؤكد هذه المعلومات تصريح الجيش الإسرائيلي الذي أدرجته هيئة الإذاعة العامة الأميركية في تقريرها:
«يتم التعامل مع المواقع التراثية والأماكن ذات الأهمية التاريخية والثقافية بأقصى درجات الحساسية».
علاوة على ذلك، وبخلاف ما ألمح إليه التقرير التلفزيوني بأن الجيش الإسرائيلي «استهدف عمداً» المواقع الثقافية، فإن الواقع يوضح أن قوات الدفاع الإسرائيلية اتخذت خطوات لحماية الآثار. فوفقاً لتقرير وكالة الأنباء الفرنسية، في سبتمبر 2025، حذّر الجيش الإسرائيلي من ضربة وشيكة وأمر المدرسة الفرنسية للآثار والكتاب المقدس في القدس (EBAF) بإخلاء مستودعها الأثري، الذي احتوى على ما يقارب ثلاثة عقود من الاكتشافات الأثرية («إنقاذ آثار غزة قبل الضربة الإسرائيلية»).
وقال مدير المدرسة، الأب أوليفييه بوكويلون، لـ وكالة الأنباء الفرنسية التالي: «كانت هذه عملية عالية المخاطر، نُفذت في سياق شديد الخطورة لجميع المشاركين – كانت فعلاً عملية إنقاذ في اللحظات الأخيرة».
وأضاف التقرير أن الجيش الإسرائيلي دعم جهود إنقاذ آثار غزة الأثرية، بينما لم تفعل حماس ذلك، ولذا كان لابد أن تُنفذ عملية الإنقاذ في سرية تامة.
حمام السمارا
أفاد براون بتدمير موقع آخر، متجاهلاً معلومات الجيش الإسرائيلي عن وجود حماس في المكان:
«حمام السمارا من القرن الرابع عشر، وهو حمام عثماني مشهور بسقوفه المقوسة وأرضياته الرخامية وأنظمته المسخنة، أصبح الآن كومة من الصخور».
وأفادت CNN بما لم تذكره هيئة الإذاعة العامة الأميركية :
«كانت هناك فرقة إرهابية تابعة لحماس متمركزة في الهيكل المذكور، الذي احتوى أيضاً على شبكة أنفاق إرهابية. وقد قصفت قوات الدفاع الإسرائيلية الهدف الإرهابي باستخدام ذخائر دقيقة، مع الحد من الأضرار على الأشخاص غير المتورطين»، وفق بيان للجيش الإسرائيلي.
معرض الشبابيك
استمر نفس الاتجاه عندما أخفى براون مرة أخرى السياق الضروري حول وجود حماس، وهذه المرة بالقرب من معرض الشبابيك الذي يديره المقتبس منه شريف سرحان.
أخطأ براون بالإشارة إلى أن المعرض دُمّر في أكتوبر 2023، في حين أنه تدمّر فعلياً في أواخر مارس 2024 خلال غارة قوات الدفاع الإسرائيلية على مستشفى الشفاء، الذي يبعد بضعة أمتار فقط عن المعرض. وأعلن سرحان بنفسه عن تدمير المعرض على حسابه في إنستغرام في 1 أبريل 2024، وهو نفس اليوم الذي أنهت فيه القوات الإسرائيلية عمليتها في مستشفى الشفاء.
وكان المستشفى يضم مئات عناصر حماس والجهاد الإسلامي الفلسطيني، بما في ذلك عدة قياديين رفيعي المستوى. بالإضافة إلى ذلك، تم العثور على رفات الرهينتين الإسرائيليتين يهوديت فايس (65 عاماً) والجندي نوآ مارسيانو (19 عاماً) في المستشفى نفسه في نوفمبر 2023، إلى جانب قاذفات صواريخ AK-47 وRPGs.
تم احتجاز عدة رهائن، من بينهم غاي إيلوز ومايا ريجيف ورومي غونين والتي كانت رهينه أيضا معهم، والتعرض لإساءة معاملتهم في مستشفى الشفاء.
قلعة البرقوق
فيما يخص قلعة البرقوق في خان يونس، التي استهدفت في 18 ديسمبر 2025، تجاهلت هيئة الإذاعة العامة الأمريكية حقيقة أن الجيش الإسرائيلي صرح بأنه كان يدمر أنفاقاً ويقاتل إرهابيين في نفس المنطقة في اليوم نفسه.
من خلال الفشل المنهجي في ذكر معلومات محددة للجيش الإسرائيلي عن نشاط حماس في المواقع نفسها، عززت هيئة الإذاعة العامة الأمريكية الاتهام الخالي من الأساس الموجَّه لإسرائيل بارتكاب جرائم حرب.
وفقاً لما ذكره براون:
«تخلص هيئة الإذاعة العامة الأمريكية إلى أن العديد من المواقع يبدو أنها استُهدفت عمداً، في انتهاك للقانون الدولي الذي يحمي الممتلكات الثقافية».
لكن، لماذا لم يُذكر في التقرير أن حماس تدمج مقاتليها وأسلحتها في هذه المواقع الثقافية المحددة، وفي متاهة الأنفاق تحتها؟
محو الوجود اليهودي في غزة
في تقصير آخر مثير للجدل، براون يمحو التاريخ اليهودي من التراث الثقافي الغني لقطاع غزة، حيث قال:
«من آثار العصر البرونزي إلى الكنائس البيزنطية، يجسد الغنى الأثري لغزة امتداد تاريخ البحر الأبيض المتوسط».
وفي مزيد من محو التاريخ اليهودي للمنطقة، أضاف المقتبس منه محمود حواري:
«خلال الألفي سنة الماضية، كان ميناءً مهماً على البحر المتوسط ينقل البضائع من الشرق إلى الغرب. على سبيل المثال، كانت الإمبراطورية الرومانية بحاجة إلى البخور والتوابل القادمة من الهند عبر الجزيرة العربية إلى ميناء غزة ومنه إلى باقي البحر المتوسط.
في العصر البيزنطي، كان مركزاً للتعلم المسيحي، وفي العصر الإسلامي كان أيضاً مركزاً مزدهراً للثقافة والتعلم. وتشهد المباني والمواقع الأثرية في غزة على هذه الحقائق».
ومع ذلك، استُبعد من التقرير التاريخ اليهودي القديم لغزة، الذي لا يزال قائماً في التراث اليهودي. فقد كُتبت أغنية السبت الشعبية «يا ربون عالم» في غزة أواخر القرن السادس عشر – أوائل القرن السابع عشر بواسطة الحاخام إسرائيل نجارا. وتشمل الأدلة الأثرية كنيساً يعود للقرن السادس من العصر البيزنطي اكتُشف في حي الرمال بمدينة غزة عام 1965، بالإضافة إلى نقش منوره كان ظاهراً على عمود في مسجد العمري المذكور، تم توثيقه عام 1870 ثم نحته في أواخر السبعينيات، بحسب تقرير صحيفة نيويورك تايمز الأميركية .
«نسيج من الألوان والساحل، أسواق المدينة القديمة والمعالم الأثرية، مكان محاط بأكثر من 5,000 سنة من التاريخ» تحوّل إلى مشاهد نهاية العالم، حسب قول براون، معبّراً عن أسفه لموت الحياة الثقافية النابضة في القطاع عند افتتاح الحلقة.
من خلال تبييض عادة حماس في تحويل الكنوز التاريخية والثقافية إلى أدوات إرهابية، تسمح هيئة الإذاعة العامة الأمريكية لمنظمة الإرهاب بالتهرب من المسؤولية عن تحويل “ريفييرا” غزة من شواطئ خلابة وتراث ثقافي إلى أنقاض.
وعلى صعيد آخر، من خلال تجاهل طلبات CAMERA لتصحيح العديد من الأخطاء الكبيرة في التقرير — مثل إخفاء وجود حماس في المواقع الثقافية الموصوفة مما يورط إسرائيل كذباً في استهداف متعمد للآثار، والتقارير الكاذبة عن تدمير كنيسة سليمة، والمحو الكامل للتاريخ اليهودي في القطاع — فإن هيئة الإذاعة العامة الأمريكية تترك خلفها صحراء صحفية حقيقية في أعقابها.
بقلم: دارسي غرونبلات
أنظر إلى التقرير المنشور بالإنجليزية على موقع مؤسسة “كاميرا” بالإنجليزية.
