“بي بي سي العربية” تتلاعب بجدول زمني يسرد تاريخ يهود سوريا.. تغييب حقائق وتجميل صورة

نشرت “بي بي سي العربية” على موقعها يوم 6 نوفمبر/تشرين الثاني 2019 تقريرًا خاصًا في أعقاب إعلان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن بعض المساعدات الروسية المقدمة لسوريا تستهدف خصيصًا مساعدة اليهود السوريين سعيًا لاستعادة معابدهم الدينية. وجاء التقرير بعنوان “بوتين يساعد يهود سوريا، لكن أين هم؟

وتضمن التقرير المذكور جدولاً زمنيًا مفصلاً لتاريخ يهود سوريا بناءً على ما أعده، حسب كلام كاتب التقرير (مجهول الهوية)، موقع جيمينا (JIMENA) (مقره في سان فرانسيسكو) المعني بتوثيق تاريخ وتراث يهود بلدان الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.

غير أن فريق “كاميرا العربية”، لدى مراجعته الصفحات الخاصة بالموضوع على موقع “جيمينا” (وهي أساسًا ثلاث صفحات اثنتان منها ملخصان لتاريخ يهود سوريا باللغتين الإنجليزية والعربية والصفحة الثالثة عبارة عن جدول زمني بالإنجليزية)، رصد للتو مواطن الخلل في الرواية التي قدمتها “بي بي سي العربية” في تقريرها المنوَّه به، حيث ثبت لدينا أن الجدول الزمني المتضمن في التقرير، وإن استند بالأساس إلى موقع “جيمينا”، تعرض لعملية إعادة تحرير تم في إطارها إضافة أو إسقاط بعض الحقائق التي لربما لم تكن متوافقة مع الصورة المتخيلة لدى واضع التقرير حول تاريخ اليهود السوريين.

يعود بعض هذه الحقائق إلى التاريخ القديم، حيث أشار التقرير (في إضافة يمكن الاختلاف حول أهميتها لما ورد في موقع “جيمينا” لكنها قد تعتمد على ما ورد ذكره في موقع الموسوعة اليهودية) إلى نجاح مساعي القديس بولس في جعل شريحة كبيرة من يهود دمشق يعتنقون الديانة المسيحية عام 49 لميلاد المسيح. وفي إضافة أخرى للمذكور في موقع “جيمينا”، أشار تقرير “بي بي سي العربية” إلى عام 1260م حيث احتلّ المغول مدينة حلب ثم عمدوا إلى ذبح عدد كبير من سكانها اليهود (وهذا بالفعل ما تؤكده المعلومات). غير أن التقرير تجاهل بالمقابل، لسبب غير معروف، حدثًا ثفاقيًا دينيًا بالغ الأهمية بالنسبة ليهود حلب (جاء ذكره في الجدول الزمني السالف ذكره في موقع “جيمينا”) ألا وهو وصول مخطوطة التوراة القديمة والقيّمة المعروفة بـ”التاج” إلى حلب عام 1375.

لعله كان بالإمكان المرور مر الكرام على تعديلات طفيفة مثل ما سبق ذكره بالنسبة للعصور الغابرة، مع الأخذ بعين الاعتبار أن هذه التعديلات تخالف الخطوط التوجيهية للاستشهاد الأمين بالمصادر وفق دليل BBC نفسه.

لكن عندما تطرق تقرير “بي بي سي العربية” إلى العصر الحديث، لم يعُد من الممكن التغاضي عن التغييرات الملحوظة التي أدخلها التقرير بصورة تعرّض تاريخ يهود سوريا للتشويه الخطير. دعونا نقدم لكم عدة أمثلة تدل على ذلك:

  1. أسقط تقرير “بي بي سي العربية” من قائمة الأحداث الواردة في الجدول الزمني الأصلي على موقع “جيمينا” أحد أهمّ الأحداث التي هزت ضمير الشعب اليهودي ليس في سوريا فحسب بل على مستوى العالم أجمع خلال القرن التاسع عشر، ألا وهو فرية الدم التي تعرض لها يهود دمشق عام 1840. إذ وصف موقع “جيمينا” الحدث بالآتي: “1840- ثمانية من أبناء الطائفة اليهودية قد اتُهموا زورًا بارتكاب جريمة قتل شعائري لراهب مسيحي ضمن ما أصبح يُعرف باسم (قضية دمشق)، حيث تعرض هؤلاء للتعذيب والقتل ثم أرغِموا على اعتناق الدين الإسلامي، كما أن الكنيس اليهودي في [حي] جوبر تعرض للتدمير“. ويكفي، حتى ندرك جسامة وفداحة إسقاط الحدث من تقرير “بي بي سي العربية”، الإشارة إلى أن مأساة يهود دمشق جعلت الشخصيات اليهودية النافذة في أوروبا (خاصة في فرنسا) والولايات المتحدة تتحرك لحمايتهم وتسعى لحشد الرأي العام الغربي من أجل قضيتهم. وتجدر الإشارة إلى أن الحدث يرد ذكره في مسارد تاريخية أخرى لليهود السوريين مما يزيد قرار “بي بي سي العربية” التغاضي عنه غرابة وتساؤلاً. بالمقابل أبقى تقرير “بي بي سي العربية” الحدث التالي الوارد في تسلسل تاريخ يهود سوريا وفق موقع “جيمينا” على حاله، مشيرًا إلى أن “في عام 1850، غادرت الكثير من العائلات اليهودية سوريا إلى مصر، ومنها إلى إنجلترا“. غير أن التقرير تجاهل الصلة المباشرة التي أقامها موقع “جيمينا” بين هجرة بعض اليهود السوريين إلى مصر وبين ما كانوا قد تعرضوا له من ويلات قبل ذلك بعقد من السنين، وكأن تلك الهجرة كانت عفوية ومجهولة الأسباب.. ونرجو ختامًا لهذه الفقرة التأكيد على أن “بي بي سي العربية” أهدرت بتجاهلها لفرية الدم المذكورة فرصة ثمينة أتيحت لها لمحاربة أحد أقدم الافتراءات المسيحية الدموية على اليهود (وكأنهم يحتاجون إلى دم فتى مسيحي لتغميس فطائر عيد الفصح اليهودي) التي انتقلت عدواها للأسف إلى العالم الإسلامي وما زالت تتجلى بين حين وآخر على الشاشات العربية ولا سيما السورية.
  2. جاء في تقرير “بي بي سي العربية” ما يلي: “في عام 1800، مُنح اليهود الوضع القانوني الذي يعرف بـ “أهل الذمة”، وتعين عليهم دفع الجزية“. إن هذه الجملة تدعو إلى الاستغراب كونها تدل على الجهل ليس بتاريخ يهود سوريا فحسب بل بتاريخ الإسلام وموقفه التقليدي من “أهل الذمة” (أو “أهل الكتاب”، أي اليهود والنصارى). إذ كانت مكانة “أهل الذمة” مضمونة منذ صدر الإسلام (ضمن ما أطلِق عليه اسم “العهدة العمرية”) بشرط دفعهم الجزية. أما الحقيقة التاريخية، كلما تعلق الأمر باليهود السوريين، فبقي لزامًا عليهم دفع الجزية حتى عام 1856 حيث استبدلتها الدولة العثمانية بضريبة أخرى تحت مسمى “بدل عسكري” أتاح لليهود والنصارى فرصة الحصول على إعفاء من أداء الخدمة العسكرية.
  3. إذا انتقلنا إلى وقائع القرن العشرين، فإن تقرير “بي بي سي العربية” يبقى للأسف مضللاً في بعض التقاطعات التاريخية الهامة التي عاشها اليهود السوريون. قد يكون قرار كاتب التقرير إسقاط مجزرة حلب (1947) من الجدول الزمني التاريخي الوارد في موقع “جيمينا” الأشد خطورة، علمًا بأن المجزرة أسفرت عن مقتل 75 من يهود حلب وتشريد حوالي 7 آلاف آخرين. أما تقرير “بي بي سي العربية” فأورد الآتي: “في عام 1945، قيدت الحكومة السورية الهجرة إلى إسرائيل، وتم إتلاف السجلات العقارية لليهود وصادرت الحكومة ممتلكاتهم وجمدت حساباتهم بحجة منع إنشاء دولة إسرائيل. وكان نتيجة تلك الإجراءات أن فرّ سبعة آلاف يهودي من مدينة حلب خوفاً على حياتهم“. واستمرارًا على نفس المنوال أسقط تقرير “بي بي سي العربية” من سرده التاريخي ما تعرض له أحد كنس دمشق عام 1949 من قصف متعمّد قامت به مجموعة سرية عُرفت باسم “كتائب الفداء العربي” وضمت سوريين ومصريين وفلسطينيين، مما أوقع 12 يهوديًا قتيلاً. أما الحدث الأخير المُهمَل ذكره في سلسلة الإسقاطات غير البريئة بنظرنا في تقرير “بي بي سي العربية” فيتجسد بحادث اغتصاب وقتل أربع نساء يهوديات عام 1974 أثناء محاولتهن الفرار من سوريا علمًا بأنه تم فيما بعد الكشف عن جثثهن في مغارة بإحدى البلدات المتاخمة للحدود اللبنانية إلى جانب جثتيْ رجليْن آخريْن من يهود سوريا سبق وقُتلا أيضًا بظروف مشابهة. وقد سلمت الشرطة السورية أهالي الضحايا جثثهم إلا أنها لم تعمد إلى إجراء أي تحقيق مستفيض في ظروف مقتلهم.

خلاصة القول: إن تقرير “بي بي سي العربية” أسقط عمدًا وبلا أي مبررات وافية عدة أحداث دموية تعرض لها يهود سوريا على مرّ تاريخهم الطويل في هذا البلد. ولا يسعنا إلا الجزم بأن هذه الإسقاطات تحرّف وتشوّه الحقائق التاريخية بشكل خطير. ولا ندري ما إذا كان الأمر قد جاء من باب السعي لغسل صورة النظام السوري الحالي أو لاعتبارات أخرى، لكن كان بالإمكان التوقع من مؤسسة إعلامية عريقة بمعيار BBC أن تكون أرقى أداءً وأشدّ التزامًا بالنزاهة في تقريرها باللغة العربية.

أنظر التقرير حول الموضوع ذاته على موقع “مرصد الإعلام البريطاني”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *