الإعلام الغربي الناطق بالعربية يكرر أخطاءه السابقة واصفًا تجمعات سكنية واقعة داخل حدود إسرائيل المعترف بها دوليًا بالـ”مستوطنات”

كانت جولة العنف الأخيرة بين الجيش الإسرائيلي وحركة الجهاد الإسلامي في قطاع غزة، والتي جرت أواسط نوفمبر/تشرين الثاني 2019، قد شهدت تكراراً لعمليات إطلاق القذائف الصاروخية على التجمعات السكنية الإسرائيلية، حيث استهدف بعضها المدن الوسطية الإسرائيلية الكبرى (تل أبيب ومحيطها) وبعضها الآخر (أغلبها) القرى والبلدات المتاخمة لحدود غزة والمعروفة (بالترجمة الحرفية من العبرية) باسم “غلاف غزة”.

غير أن ما شدّ انتباه فريق (كاميرا العربية)، ويؤسفنا القول إنه يأتي أيضًا تكرارًا لصياغات خاطئة ومبتذلة سابقة جاءت في بعض المواقع الإلكترونية لوسائل الإعلام الغربية الناطقة بالعربية، ما هو إلا استخدامها لمفردة “مستوطنات” عند وصفها التجمعات الإسرائيلية المستهدفة بالصواريخ التي جرى إطلاقها من قطاع غزة.

فيما يلي بعض النماذج على هذه الصياغة المغرضة:

“أعلن الجيش الإسرائيلي فجر السبت أنّه شنّ غارات جديدة على القطاع، بعد إطلاق صواريخ باتّجاه المستوطنات الإسرائيلية” (“إندبندندنت العربية”، يوم 16 نوفمبر/تشرين الثاني 2019)؛ “صفارات الإنذار دوت في المستوطنات الإسرائيلية المحيطة بغزة” (سكاي نيوز عربية، يوم 15 نوفمبر/تشرين الثاني 2019
لا تزال عملية إطلاق القذائف الصاروخية من قطاع غزة باتجاه مستوطنات الغلاف (فرانس 24 بالعربية، يوم 13 نوفمبر/تشرين الثاني 2019
“قالت مراسلة الحرة إن أكثر من 20 صاروخا أطلقت باتجاه مستوطنات غلاف غزة التي دوت فيها صافرات الإنذار وأصوات انفجارات ناجمة عن اعتراض الصورايخ” (قناة الحرة الأ/يركية، يوم 1 نوفمبر/ تشرين الثاني 2019).

كما تكرر الأمر لدى تغطية وسائل الإعلام نفسها لحدث استعادة المملكة الأردنية الهاشمية سيادتها لمساحة من الأراضي الواقعة على الحدود الإسرائيلية وتحديدًا في منطقتيْ الباقورة (نهاراييم بالعبرية) في شمال غور الأردن والغمر (بمحاذاة قرية تْسوفار الإسرائيلية في منطقة العربا). إذ تم نعت السكان الإسرائيليين للمنطقتيْن بالـ”المستوطنين“. ومن الأمثلة الدالة على ذلك ما يلي: “نشرت القناة الإسرائيلية مقطعا يظهر مستوطنين في زيارة وداعية للباقورة” (“إندبندنت العربية”، يوم 10 نوفمبر/تشرين الثاني 2019
“إغلاق الباقورة والغمر أمام المستوطنين الإسرائيليين” (سكاي نيوز عربية، يوم 9 نوفمبر/تشرين الثاني 2019).

وتجدر الإشارة إلى أن كافة التجمعات السكنية الوارد ذكرها أعلاها تقع ضمن حدود إسرائيل المعترف بها دوليًا أي داخل ما يُعرف باسم حدود 1967 (وهي بالفعل خطوط وقف إطلاق النار المبرمة بوساطة دولية عام 1949 بعد انتهاء حرب 1948) أو “الخط الأخضر”. أما المستوطنات وسكانها (المستوطنون) فقد تم اعتمادها مصطلحًا خاصًا بالإشارة إلى تلك التجمعات السكنية الإسرائيلية التي تم إنشاؤها على أراضٍ تقع خارج حدود 67 والتي لم تحظَ باعتراف دولي.

في سياق ذي صلة أجرى موقع “إندبندنت العربية”، وهو بالمناسبة مشروع إعلامي مشترك لصحيفة “إندبندنت” البريطانية المستقلة ومجموعة SRMG السعودية الإعلامية المرتبطة بالحكومة السعودية، مقابلة مع خبير قانوني غزي سعى للدفاع عن مطلقي البالونات الحارقة من قطاع غزة باتجاه قرى وبلدات “غلاف غزة” الإسرائيلية الآنفة الذكر، حيث أشار إليها أيضًا باسم “مستوطنات” قائلاً:

“رفع قضية [البالونات الحارقة من قبل إسرائيل] إلى الأمم المتحدة وإحالتها على مجلس الأمن أو المحاكم الدولية، يستوجبان وقوع ضرر من جهة منظمة، وهذه الصفة لم تنطبق على مطلقي البالونات، بل قد تنعكس الآية، فإن المستوطن يجلس على أرض مخالفة لقوانين الأمم المتحدة، وبالتحديد الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية، التي وصفت الاستيطان بغير القانوني والمخالف للقوانين الدولية، وأكدت أن السكن في المستوطنات يعد مخالفة للأعراف، وهو ما يعد جريمة يعاقب عليها القانون”.

كما أن مراسل “إندبندنت عربية” في غزة عز الدين أبو عيشة تحدث أكثر من مرة عن “مستوطنات غلاف غزة”، حيث بلغ به الأمر ذات مرة حد التفاهة لدى ترجمته العربية لموضوع الشكوى التي أرادت إسرائيل تقديمها إلى الأمم المتحدة بسبب تعرض سكانها المدنيين لعمليات إطلاق البالونات الحارقة في غلاف غزة، حيث قال أبو عيشة:

“ستقول إسرائيل في شكواها التي ستقدمها إلى الأمم المتحدة، إن المدنيين من سكان المستوطنات يتعرضون لإرهاب البالونات الحارقة، ولاعتداء من فصائل غزة عليهم، وهم يعيشون في ظروف صعبة”.

وتواصل فريق “كاميرا العربية” مع “إندبندنت عربية” طالبًا منها تفادي أخطاء من هذا القبيل مستقبلاً.

ختامًا يجب التساؤل مجددًا ما إذا كان تكرار هذه الظاهرة، أي وصف التجمعات السكنية داخل حدود إسرائيل المعترف بها دوليًا أيًا كان حجمها (مدن وبلدات وقرى..إلخ)، ينم عن طعن- ولو مبطنًا- في شرعية وجود دولة إسرائيل بأسرها؟ أم أنه مجرد “زلة لسان” إعلامية عابرة؟ مهما تكن الإجابة على هذا السؤال، فإنه من الأجدر بوسائل الإعلام الغربية الناطقة بالعربية احترام نزاهتها المعلنة والابتعاد عن المسميات السياسية المتحيزة والأحادية الجانب.

أنظر تقرير مرصد الإعلام البريطاني التابع لمؤسسة (كاميرا) حول القضية ذاتها

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *